كتاب رائ وعالمية

فتح الباري احمد الحسن يكتب.. أحلام 56

الخرطوم| الان نيوز

كعادته كان النهر يجادل الضفاف، وكانت المدينة تلتهم أحلام المتعبين ذوي الفاقة والعفة، وكان الشعر يمدّ رواقه من الغسق إلى الغسق ومن الأفق إلى الأفق … يتخلل أشجار النيم والنخيل والدليب والأبنوس والتبلدي والباباي والليمون والريحان والمانجو … ويألف المساكن والمدافن والخرائب والفيافي … ويسعى مع الساعين في الأسواق، يمشي بين الباعة والمادحين وأهل الجبايات والمخبرين واللصوص والعسس … يرفل في بروده المهترئات بين حدائق الورد وسراديب السجون … بين الصوالين المترفات والقصور الشاهقات؛ ويحجل على تراب الأزقة في الأحياء الشعبية … يتاخم النجوم والغيوم، وينتخب المدارات متأرجحاً بين حفيف الأمنيات وغرغرة الشجون.
وتماماً مثل الدائرة، كان (النهر-المدينة-الشعر) عالماً لا يعرف البداية ولا النهاية. فالمدينة لم تكن تبدأ حيث ينتهي النهر، ولا تنتهي حيث يبدأ الشعر. كان هذا العالم رحماً تفيض وجنيناً يتخلَق جملةً إسميةً تختزل التاريخ، همساً كونياً بين المبتدأ والخبر. خلقاً ينداح بين رقة المياه وعنفوان الطين وجبروت الأبجدية، وفلكاً يتجاوز خرافة التقويم وتقاسيم المزولة. يتجلى فيصحو في شموس نقائه حين تخبو المجرّات، وتسطع في آفاقه النقوش والبيارق والقباب والرماح والتروس وتعاويذ الأجداد والقناديل والمجامر. تزمجر الطبول فتنشق حناجر المنشدين باللغات القديمة الجديدة: “هذه الأرضُ لنا …” وهذه الأنهارُ والجنادلُ والغاباتُ والبيداءُ.
حينها تختلج الأفئدة، وينفتق رتق الذاكرة. ينهض الأسلاف من سباتهم وتفتح المدائن أرجاءها تستقبل المواكب: من أقطار المعمورة أتى المغامرون واللاجئون والغزاة الفاتحون والنخاسون والحجاج وطلاب العلم وأصحاب الحاجات وأبناء السبيل والهاربون والقناصل والعيون وأهل الصحافة والإعلاميون والتجار الجلابة والباعة المتجولون وأصحاب الصنائع والسماسرة والضاربون بالرمل والمنجمون وغيرهم. خلقٌ كثيرون امتلأت بأسمائهم وصفاتهم متون الصخر والأخشاب والبرونز والنحاس والعاج ومطويات البردي والجلود والقراطيس ورقائق السيليكون، وحفظت الأسفار والأسرار في المكتبة الكبيرة بين الغابة والصحراء.
وحين تخصب المواسم وتسفر صباحات الأعياد تخرج المدينة أسرارها، ويفلت النهرُ أشباحه، ويفضُّ الشعر أختام الخوابي فيغادر كل شيئ وقاره وتبدأ الطقوس. يعلن الخليل على رؤوس الأشهاد “عازه في هواك”. يتبرج المكان لعرس الزمان، وتنقز بالأعصاب من طرب صهباء الجموح … تورق في كل جوف حديقة وتزهر في كل قلب حقيقة “هنا صوتٌ يناديني …” فيحشدني، يدوزن في شراييني نبض الجذور، يصوغني إسماً ورمزاً: “أنا سوداني أنا” …
ثم يوقظني صدى “البيان رقم واحد” وحاكمٌ يعلن رحيل الذي قبله. تطرق المدينة مصغيةً وتخشع الدروب والأبواب. يفتح خازن المكتبة الكبيرة آخر الأسفار للقيام بما يلزم … وتستمر حالة الطوارئ وحظر التجوال والكلام إلى حين إشعار آخر. وعليه ما زلت أدندن:
عادي جداً تلقى روحك
عشت فاقد
لا مشاوَر لا مخيّر
لا البنادر فيها دارك
لا بلودك عيشا خدّر
لا الدواهي البلفحنّك
من تفتِّح
مرّه صهين مرفعينا
وللا قبّل غادي قصّر

زر الذهاب إلى الأعلى