كتاب رائ وعالمية

محمد غزالي يكتب.. السودان في مفترق الطرق: لماذا يصبح “صلاح قوش” خيار الضرورة الاستراتيجية لا العاطفة؟

في مفاصل التاريخ الحرجة، تسقط الحسابات العاطفية وتتهاوي الشعارات الرنانة؛ ففي اللحظات التي يقف فيها بقاء الدولة ذاتها على المحك، لا يعود السؤال متعلقاً بمن نُحب أو نُرضي، بل بمن يملك القدرة، والكفاءة، والأدوات للعبور بالبلاد من حافة الهاوية.

واليوم، يقف السودان في هذه اللحظة الفارقة بالذات.

 

لقد تجاوزت الأحداث مرحلة التردد؛ فصفحة الماضي بطيئاتها قد طويت بإرادة الأقدار وتغيرات الواقع، والمؤتمر الوطني كحزب سياسي بشكله القديم بات جزءاً من التاريخ. إن الانشغال بالثارات والانتقام، أو التمترس خلف الخنادق الحزبية القديمة، لن يبني وطناً ولن يعيد دفق الحياة إلى عروق دولة أنهكتها الحروب.

 

نحن اليوم نعيش واقعاً بالغ التعقيد، يتجاوز بأبعاده الكارثية حدود الحرب الداخلية الدائرة بين القوات المسلحة ومليشيا الدعم السريع، ليطل برأسه على مخاطر وجودية أوسع نطاقاً وأشد خطورة.

 

على حدودنا الشرقية، يتصاعد التوتر بشكل مقلق؛ حيث تتكدس القوات الإثيوبية في منطقة الفشقة، وتتواصل عمليات تسليح المليشيات، بينما ترتفع نبرة الخطاب العدائي في أديس أبابا. لقد تحول ملف “سد النهضة” إلى أداة ضغط جيو-سياسية، وباتت الفشقة جبهة مفتوحة على كل الاحتمالات.

إن أي مواجهة محتملة على تلك الجبهة لن تكون نزاعاً حدودياً تقليدياً، بل هي:

حرب وجود استراتيجي: تهدد الأمن القومي المائي والغذائي للسودان.

حرب مخابرات وشبكات معقدة: تتطلب تفكيك التحالفات الإقليمية المعادية ووأد المخططات قبل أن تصل إلى العمق الاستراتيجي للبلاد.

 

في صراعات بهذا الحجم، لا ينتصر من يملك البندقية وحدها، بل من يملك المعلومة الاستخباراتية الدقيقة، وشبكة التحالفات الدولية، والقدرة على إدارة الحرب النفسية والاختراق المضاد.

 

من هذا المنطلق، يصبح اختيار رئيس مجلس الوزراء القادم قضية أمن قومي بامتياز. السودان اليوم لا يحتمل:

أكاديمياً ينظر من برج عاجي.

ولا ناشطاً يكتفي بالشعارات والهتافات.

أو موظفاً ينتظر الإملاءات والتوجيهات من السفارات والدوائر الخارجية.

 

نحن بحاجة ماسة إلى رئيس وزراء يمتلك وزناً استراتيجياً وشبكة علاقات دولية وإقليمية توازي حساسية المرحلة، قادراً على الجلوس مع الجنرالات كندّ، ومع أجهزة الاستخبارات الدولية كشريك فاعل، ومع دول الجوار كرجل دولة يحمل مفاتيح حل الأزمات لا تعقيدها.

 

لماذا المهندس “صلاح عبدالله قوش”؟

 

بعيداً عن العاطفة، وبعيداً عن حسابات الضغائن الضيقة، تفرض الضرورة الاستراتيجية اسم المهندس صلاح عبدالله قوش كخيار واقعي لهذه المرحلة للأسباب التالية:

 

1. رجل الدولة الأمنية وشبكة الاتصالات الدولية:

قوش ليس مجرد إداري أمني، بل هو المهندس الفعلي للمنظومة الاستخباراتية الحديثة في السودان. لقد أسهم بشكل محوري في بناء جسور تواصل مع كبرى وكالات الاستخبارات العالمية والإقليمية (CIA، MI6، الموساد، والمخابرات العربية والخليجية). في ظل التهديدات الراهنة، تمثل هذه الشبكة أداة لا غنى عنها لتأمين خطوط الإمداد، وكشف المخططات الخارجية، وحماية السودان من أن يتحول إلى ساحة لحروب الوكالة.

2. عقل استراتيجي لإدارة حرب غير تقليدية:

حرب المستقبل إن وقعت ستكون حرباً إلكترونية، واستخباراتية، ومعارك طائرات مسيرة، وإدارة لملفات المليشيات والحدود. تتطلب هذه المعارك عقلاً استخباراتياً محنكاً خاض تجارب معقدة في إدارة ملفات دارفور، وشرق السودان، وتضاريس الفشقة المعقدة، بدلاً من إسنادها لمن لا يفرق بين التكتيك العسكري والاستطلاع السياسي.

3. الواقعية السياسية وامتلاك مفاتيح التوازن الداخلي:

يتميز قوش بقدرة فريدة على قراءة المشهد السوداني بجميع تعقيداته؛ فهو يعرف مفاهيم الحركة الإسلامية فلا تصطدم به، ويفهم عقلية المؤسسة العسكرية فلا تهدد استقرارها، ويمتلك قنوات اتصال مع الغرب تتيح له كسر العزلة الدولية، وجلب الدعم الاقتصادي، ورفع العقوبات. إن مرحلة التدهور الشامل لا تحتمل فتح جبهات تصفية حسابات جديدة باسم “التطهير”، بل تستدعي قائداً قادراً على إغلاق الجبهات المفتوحة وبناء الحد الأدنى من الإجماع الوطني.

 

إن المناداة بتكليف شخصية بحجم وخبرة صلاح قوش ليست بحال من الأحوال عودة لعهد أو نظام مضى، فالتاريخ لا يعود للوراء. إنما هو استثمار واقعي في خبرة أمنية سودانية خالصة في وقت يواجه فيه الكيان السوداني خطر الانهيار الشامل. التاريخ المعاصر يخبرنا أن الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، كانت تستعين بخبراء ومسؤولي وكالة الاستخبارات المركزية ذوي الباع الطويل في الأزمات الكبرى (كما حدث بعد أحداث 11 سبتمبر)، بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى، لأن نداء الحفاظ على الدولة يعلو فوق كل اعتبار.

 

والحقيقة :

السودان اليوم لا يحتاج إلى حكومة بروتوكولات، بل إلى حكومة حرب.. حكومة أمن قومي دائم اليقظة.

إن أمن الوطن وبقاءه فوق الجميع، وفوق كل الحسابات الحزبية والأيديولوجية والثارات الشخصية. الوطن ينتظر من يحميه، والخبرة الحقيقية هي وحدها طوق النجاة في زمن العواصف.

زر الذهاب إلى الأعلى