أسامة البليل عمر يكتب.. “السياحة البحرية في السودان” بوابة واعدة لإنعاش الاقتصاد وخلق فرص الاستثمار والتنمية
الخرطوم | الآن نيوز

عندما يفكر المسافر في اختيار وجهته، لا ينحصر اهتمامه في موعد الرحلة وسعر التذكرة ومستوى الراحة على متن وسيلة النقل، بل تمتد حساباته إلى أسئلة أكثر أهمية: هل الوجهة آمنة؟ هل تتوفر الخدمات التي يحتاج إليها؟ هل يستطيع التنقل بسهولة؟ وهل سيحصل على تجربة سياحية تستحق الوقت والمال؟
ومن هذه الأسئلة تبدأ حكاية السياحة البحرية، باعتبارها أكثر من مجرد رحلات عبر البحر؛ فهي صناعة اقتصادية متكاملة يمكن أن تفتح أمام السودان آفاقاً واسعة للاستثمار، وتوفر فرصاً جديدة للعمل، وتسهم في تنشيط قطاعات متعددة، إذا ما أُحسن التخطيط لها واستثمار مقوماتها.
السودان.. ثروة بحرية تنتظر الاستثمار
يمتلك السودان مقومات بحرية وسياحية ذات قيمة كبيرة، وفي مقدمتها ساحل البحر الأحمر الممتد على مسافة تقارب 750 كيلومتراً، بما يضمه من شواطئ خلابة ومناطق بحرية غنية بالتنوع البيئي، إلى جانب الشعاب المرجانية والجزر والمواقع الطبيعية التي يمكن أن تشكل أساساً لمنتج سياحي متميز.
وتبرز مدينة بورتسودان بوصفها مركزاً مهماً للحركة البحرية والتجارية، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي الذي يؤهلها لتكون نقطة انطلاق نحو أنشطة سياحية متنوعة، تشمل الرحلات البحرية، والغوص، والرياضات المائية، والسياحة العائلية، ورحلات استكشاف الطبيعة، وزيارة المناطق الساحلية.
إن هذه الإمكانات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها موارد طبيعية جميلة فحسب، بل باعتبارها أصولاً اقتصادية يمكن تحويلها إلى فرص استثمارية ومصادر دخل مستدامة، متى توافرت البيئة المناسبة لاستغلالها.
الأمن والاستقرار.. نقطة الانطلاق لأي نهضة سياحية
من المهم أن نتعامل مع واقع السودان بموضوعية وواقعية. فالبلاد تمر بظروف استثنائية ألقت بظلالها على مختلف الأنشطة الاقتصادية والخدمية، والسياحة بطبيعتها من أكثر القطاعات ارتباطاً بالأمن والاستقرار وحرية الحركة.
فالسائح يبحث أولاً عن الطمأنينة، والمستثمر يبحث عن بيئة مستقرة يستطيع من خلالها تقدير التكاليف والمخاطر والعوائد، بينما تحتاج الشركات العاملة في النقل والسياحة إلى وضوح الإجراءات وانتظام الخدمات.
ولهذا، فإن الحديث عن تنشيط السياحة البحرية لا ينفصل عن أهمية استعادة الأمن والاستقرار الاقتصادي، وتحسين البنية التحتية، وتسهيل حركة المواطنين والزوار، وتوفير الخدمات الأساسية.
كما أن استقرار الأسعار ووضوح تكاليف التشغيل يمثلان عنصرين أساسيين في بناء الثقة بين مقدم الخدمة والعميل. فالسائح يحتاج إلى معرفة تكلفة رحلته مسبقاً، والشركة تحتاج إلى تسعير خدماتها بصورة واقعية، والمستثمر يحتاج إلى مؤشرات تساعده على اتخاذ قرارات مدروسة.
ومن هنا، فإن بناء صناعة سياحية ناجحة يبدأ بتهيئة البيئة التي تسمح لها بالنمو، وليس بمجرد الترويج للمواقع الجميلة.
النقل البحري.. أكثر من وسيلة للوصول
يمثل النقل البحري أحد الأعمدة الأساسية التي يمكن أن تستند إليها السياحة الساحلية في السودان. فالباخرة ليست مجرد وسيلة تنقل المسافرين من ميناء إلى آخر، وإنما يمكن أن تكون جزءاً من التجربة السياحية ذاتها، وبوابة لربط الزوار بالوجهات الساحلية والخدمات والأنشطة الاقتصادية المختلفة.
وعندما تنتظم الرحلات البحرية، وتتوافر المعلومات الدقيقة عن مواعيدها وأسعارها ومستوى الخدمات المقدمة، يصبح بإمكان وكالات السفر تنظيم برامج سياحية أكثر مرونة، وتتمكن الفنادق وشركات النقل والمطاعم والمشروعات الصغيرة من التخطيط لأعمالها بصورة أفضل.
كما يمكن تطوير مفهوم الرحلات البحرية السياحية تدريجياً، من خلال برامج قصيرة على الساحل، ورحلات ترفيهية منظمة، وتجارب عائلية، وأنشطة بحرية متخصصة، وفقاً للجاهزية الأمنية والتشغيلية والاشتراطات البيئية.
وهذا يتطلب تعزيز التكامل بين شركات النقل البحري والجهات السياحية والفنادق ومشغلي الرحلات والجهات المختصة بالموانئ، حتى تصبح الرحلة منظومة متكاملة تبدأ من الحجز ولا تنتهي إلا بانطباع إيجابي لدى الزائر.
كيف تتحول الرحلة البحرية إلى قيمة اقتصادية؟
تتمثل إحدى أهم مزايا السياحة البحرية في قدرتها على تحريك قطاعات اقتصادية متعددة في الوقت نفسه.فالزائر الذي يصل إلى بورتسودان لا يستفيد منه قطاع النقل وحده، بل تمتد الفائدة إلى الفندق الذي يستضيفه، والمطعم الذي يقدم له الطعام، والسائق الذي ينقله، والمرشد السياحي الذي يرافقه، والتاجر الذي يبيع له المنتجات المحلية، والحرفي الذي يقدم له أعمالاً تعكس ثقافة المنطقة.ويمكن تلخيص أهم الآثار الاقتصادية للسياحة البحرية في المحاور التالية:
أولاً: توفير فرص العمل المباشرة وغير المباشرة
تفتح السياحة البحرية المجال أمام وظائف في تشغيل السفن وخدمات الموانئ والضيافة والإرشاد السياحي والنقل والمطاعم والصيانة والأنشطة الترفيهية. كما تتيح فرصاً للشباب في تأسيس مشروعات صغيرة ومتوسطة مرتبطة بالخدمات السياحية.
ثانياً: دعم المشروعات المحلية
يمكن أن تصبح السياحة مصدراً إضافياً للدخل للأسر المنتجة وأصحاب الحرف والمطاعم والمحال التجارية ومقدمي الخدمات في المناطق الساحلية، بما يعزز مشاركة المجتمع المحلي في النشاط الاقتصادي.
ثالثاً: جذب الاستثمارات
إن وجود حركة سياحية منتظمة يشجع على الاستثمار في الفنادق والمنتجعات والمراسي السياحية ومراكز الغوص والأنشطة البحرية وشركات تنظيم الرحلات، فضلاً عن الخدمات المساندة.
رابعاً: تنشيط القطاعات المرتبطة بالنقل البحري
تحتاج السفن إلى التموين والصيانة والخدمات الفنية والإمدادات المختلفة، كما تحتاج حركة المسافرين إلى خدمات النقل البري والتخليص والإجراءات والمرافق المينائية. وهذا يخلق دورة اقتصادية تتجاوز حدود الرحلة البحرية نفسها.
خامساً: دعم الاقتصاد الوطني
كلما زاد إنفاق الزوار على الخدمات والمنتجات المحلية، ارتفعت القيمة الاقتصادية للنشاط السياحي، وأصبحت السياحة أحد المسارات الممكنة لتنويع مصادر الدخل وتعزيز موارد النقد الأجنبي، خصوصاً مع استهداف الأسواق الخارجية والسودانيين المقيمين بالخارج.
التكامل بين النقل البحري والسياحة.. الطريق إلى منتج سياحي متكامل
من وجهة نظرنا في قطاع النقل البحري، فإن أحد التحديات التي ينبغي العمل عليها هو الانتقال من تقديم خدمة النقل بصورة منفصلة إلى المشاركة في بناء تجربة سياحية متكاملة.
فليس كافياً أن يصل الزائر إلى الميناء، بل ينبغي أن يجد برنامجاً واضحاً لما يمكنه القيام به بعد الوصول.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال شراكات عملية بين شركات النقل البحري ووكالات السفر والفنادق ومشغلي الرحلات المحلية، بحيث تتضمن البرامج السياحية خدمات متكاملة تشمل النقل والإقامة والوجبات والزيارات والأنشطة الترفيهية، مع تحديد الأسعار والشروط والخدمات بصورة شفافة.
على سبيل المثال، يمكن تصميم برامج سياحية لمدة يومين أو ثلاثة أيام في المناطق الساحلية المهيأة، تتضمن الإقامة الفندقية، والرحلات البحرية الترفيهية، والتعرف على الثقافة المحلية، وزيارة الأسواق والمواقع الطبيعية، مع توفير وسائل انتقال مناسبة.
كما يمكن تطوير عروض خاصة للعائلات السودانية المقيمة بالخارج، وللمجموعات السياحية، وللراغبين في الجمع بين زيارة الأهل وقضاء إجازة على ساحل البحر الأحمر.
ومثل هذه البرامج تمنح المسافر خيارات متنوعة، وتساعد على إطالة مدة إقامته، وهو ما يعني زيادة إنفاقه واستفادة عدد أكبر من المؤسسات والمشروعات المحلية.
جودة الخدمة تصنع السمعة والثقة
في صناعة السياحة، لا تكفي جاذبية المكان وحدها لضمان النجاح. فالتجربة التي يعيشها الزائر هي التي تحدد ما إذا كان سيعود مرة أخرى أو ينصح الآخرين بزيارة الوجهة.
ومن هنا تأتي أهمية جودة الخدمات البحرية، وانتظام الرحلات، ودقة المعلومات، وحسن الاستقبال، والالتزام بالمواعيد، والنظافة، وتوفير متطلبات السلامة والراحة على متن البواخر.
كما أن مسؤولية الخدمة لا تنتهي عند وصول السفينة إلى الميناء، بل تمتد إلى إجراءات الوصول، واستلام الأمتعة، وتسهيل الانتقال، وتوفير المعلومات التي يحتاج إليها المسافر.
إن أي خلل في إحدى هذه المراحل قد يؤثر في الانطباع العام عن الرحلة، مهما كانت بقية الخدمات جيدة.
وفي هذا السياق، نؤمن بأن شركات النقل البحري مطالبة بتعزيز معايير التشغيل المهني، والاهتمام بتأهيل العاملين، وتطوير قنوات التواصل مع العملاء، وتقديم معلومات دقيقة ومحدثة، والتعامل السريع والمسؤول مع أي تغيير أو طارئ.
فالثقة لا تُبنى بالإعلانات وحدها، بل تصنعها الممارسة اليومية والوفاء بالوعود.
السياحة البحرية والتنمية المستدامة للمناطق الساحلية
لا يمكن الحديث عن مستقبل السياحة البحرية دون التوقف عند مسؤولية حماية البيئة البحرية. فالشعاب المرجانية والشواطئ والجزر تمثل رأس مال طبيعياً لا يقل أهمية عن الفنادق والسفن والمنشآت السياحية.
وأي نشاط سياحي لا يراعي هذه الثروة قد يؤدي إلى إضعاف المقومات التي يقوم عليها القطاع نفسه.
لذلك، ينبغي أن تسير التنمية السياحية بالتوازي مع حماية البيئة، من خلال تنظيم الرحلات البحرية، والحد من التلوث والنفايات، ومراقبة الأنشطة التي قد تضر بالشعاب المرجانية، ونشر الوعي البيئي بين العاملين والزوار.
كما ينبغي أن تكون المجتمعات الساحلية شريكاً أساسياً في التخطيط والتنفيذ، لا مجرد متلقٍ لنتائج النشاط السياحي.
فتدريب أبناء المناطق الساحلية للعمل في الإرشاد السياحي والضيافة وتشغيل القوارب والخدمات البحرية، ودعم منتجاتهم ومشروعاتهم الصغيرة، يضمن توزيعاً أوسع للعوائد الاقتصادية ويعزز شعور المجتمع بأهمية حماية موارده الطبيعية.
ماذا نحتاج حتى تصبح السياحة البحرية قطاعاً اقتصادياً مؤثراً؟
إن تحويل المقومات البحرية السودانية إلى نشاط اقتصادي منتج يتطلب رؤية عملية تتدرج من الممكن إلى الأكثر طموحاً، ويمكن أن تستند إلى عدد من الأولويات:
1. تهيئة البيئة الأمنية والخدمية: باعتبارها الشرط الأساسي لاستقبال الزوار وتشجيع المستثمرين.
2. تطوير البنية التحتية الساحلية: بما يشمل المرافق السياحية والمراسي والخدمات الأساسية والطرق ووسائل النقل.
3. تسهيل الإجراءات: والعمل على وضوح إجراءات الدخول والخروج والحجز والتنقل، مع الحفاظ على المتطلبات الأمنية والتنظيمية.
4. تشجيع الشراكات والاستثمار الخاص: بين شركات النقل البحري والفنادق ووكالات السفر والمشروعات السياحية المحلية.
5. تأهيل الكوادر الوطنية: في مجالات الضيافة والإرشاد السياحي والسلامة البحرية وإدارة الرحلات والتسويق.
6. التسويق للسودان كوجهة بحرية: عبر حملات مهنية تستهدف السودانيين بالخارج والأسواق الإقليمية والدولية، عندما تسمح الظروف بذلك.
7. تنويع المنتجات السياحية: بحيث لا تقتصر على الإقامة الفندقية، بل تشمل السياحة البحرية والترفيهية والبيئية والثقافية والعائلية.
8. حماية الموارد الطبيعية: من خلال اعتماد مبادئ السياحة المستدامة والحفاظ على البيئة البحرية.
كما أن من المهم وضع مؤشرات واضحة لقياس تطور هذا القطاع، مثل عدد الزوار، ومتوسط مدة الإقامة، وحجم الإنفاق السياحي، وعدد فرص العمل التي يوفرها، ونسبة مشاركة المشروعات المحلية في تقديم الخدمات.
رؤية للمستقبل.. البحر فرصة اقتصادية لا ينبغي أن نهدرها
إن السودان يمتلك فرصة حقيقية للاستفادة من موقعه على البحر الأحمر، ليس فقط بوصفه ممراً للتجارة والنقل البحري، وإنما أيضاً باعتباره وجهة يمكن أن تستقطب أنماطاً مختلفة من السياحة والاستثمار.
ومن واقع عملنا في قطاع النقل البحري، نرى أن مسؤوليتنا لا تقتصر على تشغيل السفن ونقل الركاب، بل تمتد إلى المساهمة في بناء منظومة اقتصادية أكثر ترابطاً، يكون فيها النقل البحري حلقة وصل بين الموانئ والمناطق الساحلية والقطاع السياحي والمجتمع المحلي.
ونحن في شركة بسام شيبينغ نؤمن بأن تطوير الخدمات البحرية، وتعزيز الشراكات مع الجهات العاملة في السياحة والضيافة، والاهتمام بتجربة المسافر، كلها خطوات يمكن أن تسهم في تأسيس مستقبل أفضل لهذا القطاع.
لكن النجاح الحقيقي لن يتحقق بجهود شركة أو مؤسسة واحدة، بل يحتاج إلى تعاون بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية، وإلى رؤية مشتركة تجعل من البحر مورداً للتنمية وفرصة للأجيال القادمة.
إن السياحة البحرية ليست مجرد رحلة تبدأ من الميناء وتنتهي عند الشاطئ؛ إنها سلسلة من الأنشطة الاقتصادية التي يمكن أن تبدأ بوصول باخرة، وتمتد إلى فندق ومطعم وسوق ومشروع صغير، وتنتهي بدخل يصل إلى أسرة وفرصة عمل يحصل عليها شاب واستثمار جديد يدخل الاقتصاد الوطني.
وما نطمح إليه هو أن يأتي الزائر إلى السودان مطمئناً، ويجد خدمة تليق به، ويكتشف جمال ساحلنا، ويغادر حاملاً تجربة تستحق أن يرويها للآخرين، وأن يعود إليها مرة أخرى.
فحين يصبح البحر مصدراً للحركة التجارية والسياحية، وحين تتحول إمكاناته إلى فرص عمل واستثمار ودخل للمواطن، تكون السياحة البحرية قد تجاوزت مفهوم الترفيه، وأصبحت شريكاً حقيقياً في مسيرة التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة في السودان.

