
تتجه الأنظار إلى العاصمة الخرطوم الأسبوع المقبل، مع الزيارة المرتقبة للمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، الذي ينتظر أن يجري مباحثات مع عدد من كبار المسؤولين في الدولة، في زيارة تأتي في توقيت بالغ الحساسية، وسط استمرار تعقيدات المشهد السياسي والإنساني، وتزايد الضغوط الرامية إلى تحريك مسارات إنهاء الحرب ومعالجة الملفات الإنسانية العالقة.
وبحسب مصادر حكومية رفيعة تحدثت لـ«المحقق»، فإن الزيارة تأتي بناءً على طلب المبعوث الأممي، الذي يتطلع إلى إجراء مشاورات مباشرة مع المسؤولين السودانيين بشأن تطورات الأوضاع في البلاد، والجهود المبذولة لمعالجة تداعيات الحرب، فيما رجحت المصادر أن يتصدر ملف المفقودين والمحتجزين أجندة المباحثات، باعتباره أحد أكثر الملفات الإنسانية إلحاحاً وتعقيداً.
ملف المفقودين.. الاختبار الأصعب للمبعوث الأممي
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة بالنظر إلى التباينات التي برزت خلال الفترة الماضية بين الحكومة السودانية والمبعوث الأممي بشأن طريقة إدارة ملف المفقودين وتبادل المحتجزين، حيث سبق للحكومة أن أبدت عدم رضاها عن مستوى التحركات الأممية، معتبرة أن الجهود المبذولة لم تبلغ المستوى المطلوب لإحداث اختراق حقيقي في هذا الملف.
وتشير المصادر الحكومية إلى أن الخرطوم تنتظر من المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة الانتقال من مرحلة المشاورات والاتصالات إلى ممارسة ضغوط أكثر فاعلية على مليشيا الدعم السريع، بما يضمن إحراز تقدم ملموس في ملف المحتجزين والمفقودين، ووضع حد لمعاناة آلاف الأسر السودانية التي لا تزال تجهل مصير أبنائها وذويها.
وترى الحكومة، وفقاً للمصادر، أن التعاطي مع هذا الملف ينبغي ألا يخضع للحسابات السياسية أو المساومات، باعتباره قضية إنسانية تتصل بالحق في الحياة والحرية ومعرفة المصير، فضلاً عن المسؤولية الأخلاقية والقانونية تجاه أسر المفقودين.
أكثر من عشرة آلاف مفقود.. أرقام تعكس حجم المأساة
وتكشف البيانات التي أوردها موقع «المحقق» عن تجاوز عدد المفقودين الذين تم التحقق من هوياتهم عشرة آلاف شخص، استناداً إلى الأوراق الثبوتية والبلاغات التي تقدمت بها الأسر إلى أقسام الشرطة والنيابات المختصة.
ويمثل هذا الرقم مؤشراً على الحجم الكبير للمأساة الإنسانية التي خلفتها الحرب، خاصة في ظل تعدد مناطق النزاع، وصعوبة التواصل مع كثير من المناطق، وتشتت الأسر بين الولايات ومراكز النزوح واللجوء.
ولا تقتصر معاناة هذه الأسر على فقدان الاتصال بذويها، بل تمتد إلى غياب المعلومات بشأن أماكن وجودهم، وما إذا كانوا محتجزين أو مصابين أو قد فارقوا الحياة، الأمر الذي يجعل ملف المفقودين من أكثر القضايا إلحاحاً على المستويين الوطني والدولي.
وتتضاعف أهمية هذا الملف مع مرور الوقت، إذ تعيش آلاف الأسر حالة من الانتظار والترقب، وسط آمال متجددة في الوصول إلى معلومات موثوقة بشأن مصير أبنائها، وإمكانية عودتهم إلى منازلهم وذويهم.
الحكومة تستجيب للمبادرة.. لجنة للحصر والتبادل
وفي مقابل الانتقادات الموجهة إلى الأداء الأممي، تقول مصادر حكومية مختصة إن الحكومة أظهرت جدية في التعامل مع ملف المفقودين والمحتجزين، واستجابت بصورة فورية للمبادرة المطروحة بشأن حصر المحتجزين وتبادلهم، انطلاقاً من أولوية الملف وأبعاده الإنسانية والاجتماعية.
وأضافت المصادر أن هذه الاستجابة تُرجمت عملياً بصدور قرار من رئيس مجلس السيادة الانتقالي قضى بتشكيل لجنة مختصة لحصر وتبادل المحتجزين، حيث باشرت اللجنة أعمالها وعقدت عدداً من الاجتماعات المتعلقة بترتيبات الحصر والتصنيف وإعداد السجلات وقواعد البيانات اللازمة.
وشملت أعمال اللجنة استقبال المعلومات والبيانات المقدمة من أسر المفقودين، ومراجعة المستندات الثبوتية، والعمل على إعداد قوائم دقيقة يمكن الاستناد إليها في عمليات المطابقة والتحقق، تمهيداً لأي ترتيبات مستقبلية لإطلاق سراح المحتجزين أو تبادلهم.
وتفيد المعلومات بأن اللجنة شهدت تفاعلاً واسعاً من أسر المفقودين، استجابة للإعلانات التي أطلقتها بشأن تقديم البيانات والمعلومات الخاصة بذويهم، وهو ما ساعد في بناء قاعدة معلومات أكثر شمولاً لتنظيم هذا الملف.
استعدادات لاستقبال العائدين
وفي تطور يعكس استعداد الحكومة للتعامل مع أي اختراق محتمل في ملف المحتجزين، أكملت اللجنة، بحسب المصدر الحكومي، الترتيبات اللوجستية والفنية المتعلقة باستقبال العائدين.
وتتضمن هذه الترتيبات توفير المستشفيات والمراكز الصحية اللازمة لإجراء الفحوصات الطبية، إلى جانب تجهيز سيارات الإسعاف والخدمات المطلوبة للتعامل مع الحالات الصحية المختلفة، فضلاً عن الاستعدادات المرتبطة بعمليات الاستقبال والتعرف على العائدين وتسليمهم إلى أسرهم وفق الإجراءات المعتمدة.
وأكد المصدر أن اللجنة أنجزت التحضيرات المطلوبة ورفعت تقريرها في الموعد المحدد، بما يجعلها جاهزة للتعامل مع أي خطوات عملية يتم الاتفاق عليها بشأن إطلاق سراح المحتجزين أو تبادلهم.
غير أن نجاح هذه الترتيبات يظل مرتبطاً بوجود تعاون فعلي من الأطراف الأخرى، وتوفير الضمانات اللازمة لسلامة المحتجزين، وإمكانية الوصول إليهم والتحقق من هوياتهم وأماكن وجودهم.
هافيستو.. مبعوث بخبرة تفاوضية في ملفات السودان
ويأتي اهتمام الخرطوم بزيارة هافيستو في ظل ما يمتلكه المبعوث الأممي من خبرة سياسية ودبلوماسية طويلة، فضلاً عن معرفته السابقة بالملف السوداني.
وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قد أعلن في 24 فبراير 2026 تعيين الدبلوماسي الفنلندي بيكا هافيستو مبعوثاً شخصياً له إلى السودان، خلفاً لرمطان لعمامرة.
ويتمتع هافيستو بخبرة تتجاوز أربعة عقود في العمل السياسي والدبلوماسي، حيث شغل مناصب وزارية في الحكومة الفنلندية، من بينها وزير الخارجية، كما عمل في مواقع مرتبطة بالوساطة وإدارة الأزمات لدى الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
وتبرز أهمية خبرته بالنسبة للسودان في ضوء عمله السابق ممثلاً خاصاً للاتحاد الأوروبي للسودان بين عامي 2005 و2007، ومشاركته في مفاوضات سلام دارفور، إلى جانب عمله مستشاراً رفيعاً للأمم المتحدة لعملية السلام في دارفور.
وتمنح هذه الخلفية المبعوث الأممي معرفة سابقة بتعقيدات النزاع السوداني، وطبيعة الأطراف الفاعلة فيه، فضلاً عن امتلاكه خبرة في التعامل مع النزاعات الإقليمية وعمليات الوساطة والتفاوض.
تحركات أممية متعددة المسارات
ولا تنفصل زيارة هافيستو المرتقبة عن التحركات الدبلوماسية الأوسع التي تقودها الأمم المتحدة وشركاؤها بشأن الأزمة السودانية.
فخلال الأشهر الماضية، انخرط المبعوث الأممي في اتصالات ومشاورات مع الأطراف السودانية، شملت بحث سبل خفض التصعيد وحماية المدنيين وتهيئة الظروف الملائمة لإطلاق عملية سياسية تنهي الحرب.
كما برز دور الآلية الخماسية التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية للتنمية «إيقاد» وجامعة الدول العربية، باعتبارها إطاراً للتنسيق بين المؤسسات الإقليمية والدولية المعنية بالأزمة السودانية.
وفي سبتمبر الماضي، شهدت الخرطوم تحركات للمبعوث الأممي ضمن مساعي الآلية الخماسية، حيث التقى هافيستو رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وبحث معه الأوضاع في البلاد وجهود تعزيز الأمن والاستقرار وتحقيق السلام.
كما تناولت المباحثات قضايا خفض التصعيد وحماية المدنيين وإمكانية الدفع نحو تبادل الأسرى والمحتجزين المدنيين، بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وشملت التحركات كذلك لقاءات مع رئيس الوزراء وعدد من الفاعلين السياسيين والمدنيين، في إطار البحث عن مسار سياسي شامل يستند إلى مشاورات أوسع مع السودانيين.
السلام وحماية المدنيين.. ملفات تتجاوز قضية المفقودين
وعلى الرغم من أن ملف المفقودين والمحتجزين مرشح لتصدر مباحثات الزيارة المقبلة، فإن أجندة هافيستو يُتوقع أن تتسع لتشمل جملة من القضايا المرتبطة بمستقبل الأزمة السودانية.
ويأتي في مقدمة هذه القضايا البحث عن فرص لخفض التصعيد العسكري، وتعزيز حماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، إلى جانب بحث إمكانات استئناف المسار السياسي وتهيئة الظروف لوقف الحرب.
وتواجه الجهود الدولية تحديات كبيرة في ظل استمرار العمليات العسكرية واتساع رقعة الأزمة الإنسانية، فضلاً عن تباين مواقف الأطراف بشأن طبيعة التسوية السياسية والترتيبات المطلوبة لإنهاء النزاع.
كما تظل مسألة ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المتضررين وحماية المرافق المدنية والبنية التحتية من القضايا الأساسية التي تتطلب تنسيقاً أكبر بين الأمم المتحدة والسلطات السودانية والجهات الإنسانية العاملة في البلاد.
ما الذي تريده الخرطوم من الزيارة؟
وتبدو الحكومة السودانية معنية بتحقيق نتائج عملية من زيارة المبعوث الأممي، تتجاوز تبادل وجهات النظر والتأكيدات الدبلوماسية المعتادة.
ففي ملف المفقودين، تنتظر الخرطوم تحركاً أكثر تأثيراً يفضي إلى الكشف عن أماكن المحتجزين، والحصول على قوائم موثوقة بأسمائهم، وضمان سلامتهم، وتهيئة الظروف لإطلاق سراحهم أو تبادلهم.
وفي الملف السياسي، تتمسك الحكومة بضرورة أن تقوم أي عملية سياسية على احترام سيادة السودان ومؤسساته الوطنية، وأن تكون العملية السياسية سودانية الملكية والقيادة، بعيداً عن فرض الحلول أو تجاوز الإرادة الوطنية.
أما على الصعيد الإنساني، فتتطلع الخرطوم إلى دور أممي أكثر فاعلية في الضغط على الأطراف المتحاربة للالتزام بالقواعد الإنسانية، وحماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات، والتعاون في معالجة ملف المحتجزين والمفقودين.
زيارة تحت الاختبار
وتحمل زيارة بيكا هافيستو المرتقبة إلى الخرطوم اختباراً جديداً لمدى قدرة الأمم المتحدة على تحويل تحركاتها الدبلوماسية إلى نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في الملفات التي تمس حياة السودانيين بصورة مباشرة.
ويبدو ملف المفقودين والمحتجزين الأكثر قابلية لقياس نتائج هذه الزيارة، بالنظر إلى وجود لجنة حكومية أنجزت جانباً كبيراً من ترتيبات الحصر والاستقبال، وإلى حجم البيانات المتاحة بشأن المفقودين، فضلاً عن استعداد الأسر للتعاون وتقديم المعلومات اللازمة.
لكن التحدي الأساسي يظل في مدى استعداد الأطراف المعنية للتعاون، وتوفير المعلومات المطلوبة، والقبول بترتيبات إنسانية تضمن الوصول إلى المحتجزين وإطلاق سراحهم أو تبادلهم.
وبين تطلعات الحكومة إلى دور أممي أكثر فاعلية، وآمال آلاف الأسر في معرفة مصير أبنائها، تدخل زيارة هافيستو المرتقبة مرحلة مهمة من اختبار الثقة والجدية في التعامل مع أحد أكثر الملفات الإنسانية إيلاماً في السودان.
فهل تحمل زيارة المبعوث الأممي هذه المرة اختراقاً حقيقياً ينهي معاناة آلاف الأسر، أم تظل قضية المفقودين والمحتجزين واحدة من الملفات العالقة في مسار الأزمة السودانية؟

