
إذا أردت أن تعرف كيف تغيرت الحرب، فلا تكتفِ بمتابعة الميدان، بل راقب أيضاً كيف تغير خطاب محمد حمدان دقلو “حميدتي” بعد كل هزيمة كبيرة.
فحديثه الأخير عن “تغيير قواعد اللعبة” لم يكن معزولاً عن الواقع العسكري، بل جاء عقب التطورات الأخيرة في شمال كردفان، حيث واصلت القوات المسلحة والقوات المساندة تقدمها، بينما ظهر القائد العام الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان في الخطوط الأمامية بمحور كردفان، في رسالة أكدت أن زمام المبادرة لا يزال بيد القوات على الأرض، فيما اتجه حميدتي إلى الدعوة لتغيير قواعد اللعبة.
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتبدل فيها خطابه عقب تراجع ميداني.
فبعد سقوط جبل موية، أكبر نقطة تحول في مسار الحرب، لجأ إلى الحديث عن “الطيران المصري” و”قوات التقراي”. ثم جاءت هزائم الجزيرة وقراها، قبل أن تمتد الخسائر إلى العاصمة الخرطوم، ليتحول الخطاب إلى “إعادة التموضع” باعتباره التفسير الجاهز لكل انسحاب.
ومع تصاعد الانشقاقات داخل المليشيا، ظهر خطاب “الغربال الناعم” و”البيض من الحميض” في محاولة لاحتواء حالة التفكك الداخلي. واليوم، وبعد خسائر شمال كردفان، عاد بخطاب جديد عنوانه “تغيير قواعد اللعبة” وتغيير أسلوب القتال.
المشهد يكشف نمطاً واضحاً؛ فكلما حسم الميدان مرحلة جديدة، تبدل الخطاب. تتغير الشعارات، لكن العامل الذي يدفع إليها يبقى واحداً: انتكاسات ميدانية تفرض على قيادة المليشيا البحث عن رواية جديدة لاحتواء آثارها ورفع معنويات مقاتليها.
ولهذا، لا يبدو حديث “تغيير قواعد اللعبة” بداية لاستراتيجية مختلفة، بقدر ما يبدو امتداداً لمسار بدأ مع جبل موية، ثم الجزيرة، فالخرطوم، وصولاً إلى شمال كردفان. تتغير العبارات… لكن الثابت أن كل شعار جديد يأتي بعد انتكاسة جديدة.
الخلاصة:
من “الطيران المصري” إلى “إعادة التموضع”، ومن “الغربال الناعم” إلى “تغيير قواعد اللعبة”.. يكشف تسلسل خطابات حميدتي نمطاً متكرراً يتبدل فيه الخطاب كلما حسم الميدان مرحلة جديدة، بينما يواصل الجيش فرض وقائعه على الأرض.

