في حوار الصراحة والمكاشفة.. الآن نيوز تجري حوار مثير مع الأستاذ أسامة البليل عمر مدير الوكالة السياحية لشركة بسام شيبينغ
الخرطوم | الآن نيوز

في لحظة كان فيها السودان يمر بأصعب اختباراته، وكانت طرق السفر تضيق يومًا بعد يوم، ظهر البحر كنافذة أمل أخيرة لآلاف الأسر الباحثة عن الأمان ولمّ الشمل.لم تكن قصة خط جدة–سواكن مجرد تشغيل رحلات بحرية، بل كانت قصة قرار اتُخذ في وقت كانت فيه الحسابات مليئة بالمخاطر، وقصة شركة اختارت أن تتحرك عندما كان الانتظار هو الخيار الأسهل.
كيف ولدت فكرة تشغيل الخط البحري في قلب الأزمة؟ لماذا قررت بسام شيبينغ الدخول في أصعب توقيت؟ كيف تحولت الرحلات من وسيلة نقل إلى جسر إنساني بين شعبين؟ وما الذي ينتظر الشركة في مرحلة إعادة الإعمار؟ في هذا الحوار الخاص مع اسامة البليل عمر مدير الوكالة السياحية لشركة بسام شيبينغ الذي اجراه رئيس تحرير موقع الآن نيوز الإلكتروني الإخباري الاستاذ نصر الدين عثمان تكشف شركة بسام شيبينغ تفاصيل الرحلة… من الإجلاء إلى الإعمار، ومن عبور البحر إلى صناعة الثقة بجامب عدد من المواضيع المهمة فكانت مضامين الحوار كما يلي
حوار : رئيس التحرير
كثيرون يعرفون بسام شيبينغ من خلال خط جدة–سواكن، لكن ما القصة الكاملة للشركة؟ وهل هي شركة نقل ركاب فقط؟
ربما ارتبط اسم بسام شيبينغ خلال السنوات الأخيرة بخط جدة–سواكن، خاصة بعد الدور الكبير الذي لعبه هذا الخط في خدمة المسافرين خلال الظروف الاستثنائية التي مر بها السودان، لكن الحقيقة أن نشاط الشركة أوسع بكثير من نقل الركاب.
فمنذ تأسيسها عام 2000، عملت بسام شيبينغ في مجال النقل البحري والخدمات اللوجستية، وأصبحت واحدة من الشركات ذات الخبرة الطويلة في إدارة وتشغيل الخطوط البحرية، وتمثيل ملاك السفن، ونقل الركاب والبضائع والشاحنات والطرود، وتقديم الحلول اللوجستية المتكاملة.
وتدير الشركة بالتعاون مع شركائها وملاك السفن أسطولًا يضم أكثر من 13 سفينة وعبّارة تعمل على عدد من الخطوط البحرية الإقليمية.
وقبل دخولها خط جدة–سواكن، كانت للشركة تجربة واسعة في النقل التجاري بين المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، عبر خطوط بحرية مهمة ساهمت في نقل آلاف الشاحنات والصادرات والواردات، خصوصًا في الفترات التي واجهت فيها بعض المسارات البرية تحديات كبيرة.
ولهذا فإن تجربة نقل الركاب لم تكن بداية رحلة الشركة، وإنما كانت امتدادًا طبيعيًا لخبرة بحرية ولوجستية تراكمت لأكثر من خمسة وعشرين عامًا.
متى بدأت قصة جدة–سواكن؟ وهل كان القرار استثماريًا أم جاء استجابة لظرف استثنائي؟
القصة بدأت في مايو 2023، في وقت لم يكن فيه تشغيل خط جديد قرارًا تجاريًا تقليديًا، بل قرارًا مرتبطًا بظرف إنساني استثنائي.
فمع اندلاع الحرب في السودان، أصبحت خيارات السفر محدودة، ووجد آلاف السودانيين أنفسهم أمام حاجة ملحة للوصول إلى أسرهم، أو أعمالهم، أو أماكن علاجهم ودراستهم.
في ذلك الوقت كان أمامنا خياران: الانتظار حتى تستقر الأوضاع، أو تحمل مسؤولية الدخول في بيئة مليئة بالتحديات.واخترنا الخيار الأصعب.
لم يكن الدافع مجرد البحث عن فرصة استثمارية، بل كان الإيمان بأن وجود ممر بحري آمن ومستمر بين السودان والمملكة العربية السعودية أصبح ضرورة حقيقية.
ومن هنا بدأ الخط كاستجابة لحاجة الناس، ثم تحول لاحقًا إلى تجربة أثبتت أن القرارات الصعبة قد تصنع أكبر قصص النجاح.
عندما كانت الظروف تدفع الجميع إلى الابتعاد، لماذا اختارت بسام شيبينغ الدخول إلى خط جدة–سواكن؟
لأننا رأينا أن بعض اللحظات تتجاوز الحسابات التجارية المعتادة. نحن شركة اقتصادية، وندرك أهمية الاستدامة المالية، لكن هناك أوقات يصبح فيها الواجب الإنساني والوطني جزءًا أساسيًا من القرار.
في مايو 2023 لم يكن السؤال فقط: هل هذا الخط مربح؟ بل كان السؤال الأهم: هل يحتاجه الناس؟ وكانت الإجابة واضحة. كان هناك آلاف الأشخاص الذين يحتاجون إلى وسيلة سفر آمنة، وأسر تنتظر لمّ شملها، ومرضى وطلاب وأصحاب أعمال ترتبط مصالحهم باستمرار هذا الجسر البحري. لذلك قررنا أن نكون جزءًا من الحل، وأن نحافظ على استمرار الحركة بين البلدين في أصعب الظروف.
لماذا اعتبر البعض دخولكم إلى خط جدة–سواكن مخاطرة كبيرة؟ وما أكبر تحدٍ واجهكم في الأيام الأولى؟
قد يبدو القرار من الخارج مخاطرة، لكننا كنا نراه مسؤولية أكثر من كونه مغامرة.عندما اندلعت الحرب في السودان، لم يكن التحدي الحقيقي مجرد تشغيل خط بحري جديد، بل كان اتخاذ القرار في وقت كانت فيه كل الظروف تحمل درجة عالية من عدم اليقين.
كانت هناك تحديات تشغيلية ولوجستية وتأمينية كبيرة، وكانت الحاجة إلى سرعة التحرك تتزامن مع ضرورة المحافظة على أعلى درجات التنظيم والسلامة.
واجهنا في البداية تحديات متعددة؛ من تجهيز التشغيل، والتنسيق مع الجهات المختصة في المملكة العربية السعودية والسودان، إلى التعامل مع أعداد كبيرة من المسافرين الذين كانوا يبحثون عن وسيلة آمنة للعبور.
لكن التحدي الأكبر لم يكن تشغيل السفن بحد ذاته، وإنما حجم المسؤولية المرتبطة بكل رحلة.
فخلف كل تذكرة كان هناك إنسان ينتظر الوصول إلى أهله، أو مريض يبحث عن العلاج، أو أسرة تريد الاجتماع من جديد.
ولهذا كنا ندرك أن نجاحنا لا يقاس فقط بانطلاق الرحلة، وإنما بقدرتنا على الحفاظ على انتظامها واستمرارها.
كيف نجحتم في المحافظة على استمرار الرحلات رغم الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب؟
الحفاظ على استمرار الخط في تلك المرحلة لم يكن أمرًا سهلًا، فقد واجهنا ظروفًا تشغيلية معقدة، بدءًا من تحديات الموانئ وسلاسل الإمداد، مرورًا بارتفاع تكاليف التشغيل، وصولًا إلى الزيادة الكبيرة في تكاليف التأمين البحري بسبب تصنيف السودان كمنطقة مخاطر وحرب.
لكننا لم ننظر إلى الخط باعتباره مشروعًا تجاريًا فقط، بل باعتباره جسرًا حيويًا يعتمد عليه آلاف الأشخاص.
كنا نعلم أن توقف الرحلات لن يعني توقف خدمة نقل فقط، بل سيؤثر على مرضى، وطلاب، وأسر، ورجال أعمال، وكل شخص ارتبطت حياته باستمرار هذا المسار البحري.
لذلك عملنا مع شركائنا والجهات المختصة على إيجاد حلول تضمن استمرار التشغيل، وتحملنا أعباء إضافية حتى يبقى الخط قائمًا ويؤدي دوره.
كنا ننظر إلى كل رحلة باعتبارها مسؤولية، وإلى كل مسافر باعتباره أمانة.
أكثر من 329 ألف مسافر و580 رحلة خلال عامين… ماذا تعني لكم هذه الأرقام؟ وكيف تحقق هذا النجاح؟
هذه الأرقام بالنسبة لنا ليست مجرد إحصائيات تشغيلية، بل هي قصة ثقة صنعها المسافرون قبل أن تسجلها الأرقام.
منذ بداية تشغيل خط جدة–سواكن في مايو 2023 وحتى مايو 2025، نفذت بسام شيبينغ 580 رحلة بحرية ذهابًا وإيابًا، ونقلت أكثر من 329 ألف مسافر.
لكن القيمة الحقيقية لهذه الأرقام ليست في عدد الرحلات فقط، وإنما في الظروف التي تحققت خلالها.
فالشركة استطاعت إدارة مواسم الحج بنجاح، ثم واصلت العمل في مراحل لاحقة تزامنت مع برامج العودة الطوعية، رغم التحديات الكبيرة التي صاحبت تلك الفترات.
ونحن نؤمن بأن النجاح لم يتحقق من خلال الحملات الإعلامية، وإنما من خلال الالتزام بالمواعيد، والوضوح مع المسافرين، وتحسين الخدمة، والاستماع إلى احتياجات الناس.الأرقام مهمة، لكنها في النهاية انعكاس لشيء أكبر: ثقة الناس.
كيف تمكنتم من بناء هذه الثقة خلال فترة قصيرة؟ وما الذي جعل المسافرين يختارون بسام شيبينغ؟
الثقة لا تُبنى بالكلمات، ولا تُشترى بالإعلانات، وإنما تُكتسب بالمواقف.منذ اليوم الأول وضعنا قاعدة أساسية: المسافر ليس مجرد رقم في قائمة الركاب، بل هو إنسان له احتياجات وتوقعات وحقوق.
لذلك ركزنا على عدة جوانب؛ أهمها الانضباط التشغيلي، والشفافية في التعامل، والاستجابة للملاحظات، والاهتمام براحة المسافر، والتنسيق المستمر مع الجهات المختصة.
كنا نؤمن بأن المسافر لا يبحث فقط عن وسيلة تنقله من ميناء إلى آخر، بل يبحث عن جهة يشعر معها بالاطمئنان والثقة.
أما مواسم الحج، فكانت اختبارًا حقيقيًا لقدرتنا التشغيلية، لأنها تتطلب أعلى درجات التنظيم والدقة، خصوصًا مع ارتباطها بمواعيد محددة وأعداد كبيرة من المسافرين.
والحمد لله، نجحنا في إدارة ثلاثة مواسم حج متتالية، وسط ظروف استثنائية، وهو ما عزز ثقة المسافرين والجهات الرسمية في البلدين.
ما السر وراء نجاح تجربة السفر مع بسام شيبينغ؟ وهل تغير مفهوم السفر البحري لدى السودانيين؟
عندما دخلنا خط جدة–سواكن، لم يكن هدفنا مجرد تشغيل رحلات بحرية، بل كان هدفنا تقديم تجربة مختلفة للسفر عبر البحر.
كنا نعلم أن كثيرًا من الناس ينظرون إلى السفر البحري باعتباره مجرد وسيلة انتقال، لذلك أردنا أن نجعل الرحلة نفسها تجربة مريحة ومميزة.
ولهذا اهتممنا بجوانب متعددة؛ من توفير صالات واسعة، وغرف مجهزة، وخدمات الطعام، ومساحات للأطفال، وبرامج ترفيهية وثقافية تساعد الأسر على قضاء وقت أفضل خلال الرحلة.
كما قدمنا في عدد من الرحلات مسابقات وبرامج وهدايا للأطفال والأسر، بمشاركة شخصيات فنية وثقافية وإعلامية، بهدف خلق أجواء إيجابية تجعل ساعات الإبحار أكثر متعة.
لكن جوهر التجربة بقي دائمًا مرتبطًا بالاحترام، والنظافة، وحسن التعامل، والالتزام بما نعد به.
فهدفنا لم يكن فقط نقل المسافر، بل أن يصل وهو يحمل تجربة طيبة وذكرى جميلة.
كيف توازنون بين تقديم خدمة مريحة والمحافظة على أعلى معايير السلامة؟
السلامة بالنسبة لنا ليست عنصرًا إضافيًا، بل هي الأساس الذي تقوم عليه كل عملياتنا.نحن نؤمن أن مسؤولية الشركة تبدأ منذ لحظة اختيار المسافر لها، وتستمر حتى وصوله إلى وجهته.
ولهذا فإن اختيار السفن لا يعتمد فقط على السعة أو التكلفة، وإنما على الكفاءة الفنية، والاعتمادات البحرية، ومستوى السلامة، والقدرة على تقديم خدمة تلبي تطلعات المسافرين.
جميع السفن تعمل وفق الاشتراطات واللوائح البحرية المعتمدة، وتخضع للمتابعة الفنية والتشغيلية المستمرة، مع الاعتماد على أطقم بحرية مؤهلة.
كما أن تنوع الأسطول يمنحنا مرونة كبيرة في اختيار السفينة المناسبة لكل رحلة أو موسم، سواء لنقل الركاب أو الشاحنات أو البضائع. فالهدف النهائي دائمًا واحد: أن يصل الإنسان بأمان وراحة.
في الجزء القادم من الحوار سوف يجيب على عدد من الأسئلة:
قصة مبادرة «العودة بكرامة»
لماذا قدمت الشركة 600 تذكرة مجانية؟
كيف تحولت المسؤولية الإنسانية إلى مشروع مجتمعي؟
لماذا ترى الشركة أن دورها القادم سيكون في إعادة إعمار السودان؟
كيف يمكن للنقل البحري أن يصبح محركًا للتعافي الاقتصادي؟

