تقارير وحوارات

“العيون الخمسة”.. أخطر شبكة تجسس في التاريخ من يراقب مكالماتك ورسائلك؟

الخرطوم | الآن نيوز

يُعد تحالف “العيون الخمس” أقدم وأقوى تحالف استخباراتي متعدد الأطراف في العالم، إذ يضم الولايات المتحدة الأمريكية، المملكة المتحدة، كندا، أستراليا، ونيوزيلندا. نشأ هذا التكتل في أعقاب الحرب العالمية الثانية بهدف تنسيق عمليات تبادل المعلومات الاستخباراتية، قبل أن يتحول مع مرور الوقت إلى شبكة عالمية متطورة للمراقبة وجمع البيانات وتحليلها.

الجذور التاريخية للتحالف

تعود بدايات “العيون الخمس” إلى التعاون الوثيق بين واشنطن ولندن خلال الحرب العالمية الثانية، خاصة في مجال فك الشفرات واعتراض الاتصالات العسكرية الألمانية. وفي عام 1946 وقّع البلدان اتفاقية سرية عُرفت باسم “UKUSA”، أرست قواعد شراكة استخباراتية دائمة لمواجهة التهديد السوفياتي خلال الحرب الباردة.

ومع اتساع نطاق التعاون، انضمت كندا عام 1948، ثم أستراليا ونيوزيلندا عام 1956، لتتشكل بذلك المنظومة الاستخباراتية التي عُرفت لاحقًا باسم “العيون الخمس”.

إمبراطورية التجسس الإلكتروني

خلال الحرب الباردة ركّز التحالف على مراقبة الاتحاد السوفياتي وحلفائه، إلا أن تطور التكنولوجيا دفعه إلى بناء واحدة من أضخم شبكات التجسس الإلكتروني في التاريخ.

وفي سبعينيات القرن الماضي أطلق مشروع “إيشلون”، وهو نظام عالمي لاعتراض الاتصالات الهاتفية والإشارات اللاسلكية والبث الفضائي. ومع مرور الوقت توسعت مهامه لتشمل مراقبة الاتصالات الاقتصادية والتجارية، وسط اتهامات باستخدام المعلومات لدعم المصالح الاقتصادية للدول الأعضاء.

وكشفت تقارير أوروبية لاحقًا أن النظام قادر على اعتراض ملايين الاتصالات يوميًا عبر خوارزميات متطورة ترصد الكلمات المفتاحية وتحدد الأشخاص والمواقع المستهدفة.

آلية العمل والتنسيق

يعتمد التحالف على شبكة مغلقة لتبادل المعلومات تُعرف باسم “Stone Ghost”، تتيح تبادل البيانات الاستخباراتية بشكل لحظي بين الدول الخمس.

وتوزَّع المهام الاستخباراتية جغرافيًا بين الأعضاء:

الولايات المتحدة تركز على الصين وروسيا وأجزاء واسعة من العالم.

بريطانيا تتابع أوروبا والشرق الأوسط.

أستراليا تغطي جنوب وشرق آسيا والمحيط الهادي.

نيوزيلندا تراقب جنوب المحيط الهادي.

كندا تركز على روسيا والقطب الشمالي وأجزاء من أميركا اللاتينية.

هذا التنسيق يمنح التحالف قدرة على مراقبة مساحات شاسعة من العالم على مدار الساعة، ضمن منظومة متكاملة يصعب فيها أحيانًا تحديد الجهة التي جمعت المعلومات أساسًا.

تسريبات سنودن.. الوجه الخفي للتحالف

في عام 2013 فجّر الموظف السابق في وكالة الأمن القومي الأمريكية إدوارد سنودن صدمة عالمية بعد تسريبه وثائق سرية كشفت الحجم الحقيقي لبرامج المراقبة التي يديرها التحالف.

وأظهرت الوثائق أن التحالف يمتلك قدرات هائلة لجمع بيانات المستخدمين حول العالم، بما في ذلك رسائل البريد الإلكتروني وسجلات الاتصالات وبيانات التصفح.

كما كشفت عن برامج شهيرة مثل:

“PRISM” الذي منح الاستخبارات الأمريكية إمكانية الوصول إلى بيانات شركات التكنولوجيا الكبرى.

“XKeyscore” الذي أتاح البحث في بيانات المستخدمين عالميًا.

“Tempora” البريطاني الذي اعتمد على اعتراض البيانات المارة عبر كابلات الإنترنت الدولية.

وأثارت هذه التسريبات مخاوف واسعة بشأن انتهاك الخصوصية واستخدام التحالف لأساليب التفاف قانونية تسمح بتبادل بيانات المواطنين بين الدول الأعضاء.

من الحرب على الإرهاب إلى مواجهة الصين وروسيا

بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 وسّع التحالف نطاق عملياته تحت شعار “الحرب على الإرهاب”، لتشمل مراقبة الاتصالات والأنشطة الرقمية عالميًا.

لكن خلال السنوات الأخيرة عاد التركيز مجددًا إلى الصين وروسيا، وسط تصاعد المخاوف الغربية من التجسس السيبراني وسرقة التكنولوجيا.

وبرز ذلك بوضوح في المواقف المشتركة ضد شركة “هواوي”، إضافة إلى التحذيرات المتكررة بشأن محاولات صينية لتجنيد عسكريين وخبراء غربيين عبر منصات التوظيف الإلكترونية.

وفي يونيو 2026 أصدر التحالف تحذيرًا مشتركًا نادرًا بشأن استخدام الصين لمنصات مهنية مثل “لينكد إن” لاستهداف شخصيات تمتلك معلومات حساسة أو خبرات عسكرية وأمنية.

انتقادات متزايدة

رغم القدرات الضخمة التي يمتلكها التحالف، إلا أنه يواجه انتقادات حادة تتعلق بالسرية المفرطة والتوسع في المراقبة وانتهاك الخصوصية.

كما تُتهم بعض الأجهزة المنضوية تحت مظلته، خصوصًا الأمريكية والبريطانية، بالضلوع في عمليات سياسية واستخباراتية أثرت في دول عديدة، من بينها دعم الانقلاب على حكومة إيران المنتخبة في خمسينيات القرن الماضي، إضافة إلى المعلومات الخاطئة التي استُخدمت لتبرير غزو العراق عام 2003.

ورغم كل الجدل، لا يزال تحالف “العيون الخمس” يمثل أحد أكثر التكتلات الاستخباراتية نفوذًا وتأثيرًا في العالم، بقدرات تقنية وتنظيمية تجعل حضوره ممتدًا عبر الفضاء الرقمي العالمي، في عالم باتت فيه المعلومات السلاح الأقوى.

المصدر الجزيرة

زر الذهاب إلى الأعلى