“بسام شيبينغ” من عبور البحر إلى صناعة الثقة.. حوار خاص مع الشركة يكشف قصة القرار الأصعب ورسالة المسؤولية من الإجلاء إلى الإعمار 2__2
الخرطوم | الآن نيوز

في لحظة كان فيها السودان يمر بأصعب اختباراته، وكانت طرق السفر تضيق يومًا بعد يوم، ظهر البحر كنافذة أمل أخيرة لآلاف الأسر الباحثة عن الأمان ولمّ الشمل.لم تكن قصة خط جدة–سواكن مجرد تشغيل رحلات بحرية، بل كانت قصة قرار اتُخذ في وقت كانت فيه الحسابات مليئة بالمخاطر، وقصة شركة اختارت أن تتحرك عندما كان الانتظار هو الخيار الأسهل.كيف ولدت فكرة تشغيل الخط البحري في قلب الأزمة؟ لماذا قررت بسام شيبينغ الدخول في أصعب توقيت؟ كيف تحولت الرحلات من وسيلة نقل إلى جسر إنساني بين شعبين؟ وما الذي ينتظر الشركة في مرحلة إعادة الإعمار؟
في هذا الحوار الخاص مع الاستاذ اسامة البليل عمر مدير الوكالة السياحية لشركة بسام شيبينغ نكشف من خلاله تفاصيل الرحلة من الإجلاء إلى الإعمار، ومن عبور البحر إلى صناعة الثقة الى مضامين الحوار
حوار : رييس التحرير نصر الدين عثمان
هل حققت الشركة أرباحًا خلال فترة الأزمة والإجلاء؟ أم كانت الأولوية للرسالة الإنسانية؟
نحن ننظر إلى هذا السؤال من زاوية مختلفة بسام شيبينغ شركة اقتصادية، ومن الطبيعي أن تسعى إلى تحقيق عائد يضمن استمرارية أعمالها، لأن أي خدمة تحتاج إلى إدارة مالية متوازنة حتى تستمر وتطور نفسها.لكن الظروف التي مر بها السودان كانت استثنائية، ولم يكن من الممكن التعامل معها بمنطق الأرباح والخسائر فقط.كان التحدي الحقيقي هو تحقيق التوازن بين ثلاثة أهداف أساسية:
استمرار تشغيل الخط.
الحفاظ على ثقة المسافرين.
ضمان قدرة الشركة على مواصلة الخدمة.
فلو كان هدفنا الوحيد هو الربح، ربما كنا سنتخذ قرارات مختلفة، لكنها كانت ستؤثر على علاقتنا بالمسافرين وعلى استمرارية الخط.
وفي المقابل، لو تجاهلنا الجانب الاقتصادي تمامًا، لما استطعنا المحافظة على تشغيل الرحلات وخدمة الناس.
لذلك اخترنا طريق الاستدامة؛ أن تستمر الخدمة، وأن تبقى الأسعار في حدود الممكن، وأن تقوم الشركة بدورها الإنساني والمجتمعي.
ومن هذا المنطلق شاركنا في مبادرات العودة الطوعية، وقدمنا التذاكر المجانية للحالات المستحقة، وأطلقنا مبادرة «العودة بكرامة»، لأننا نؤمن أن نجاح الشركة لا يقاس فقط بالأرقام المالية، بل أيضًا بالأثر الذي تتركه في حياة الناس.
هل اضطررتم إلى تحمل أعباء إضافية من أجل استمرار الخط؟ وهل اتخذتم قرارات بدافع المسؤولية أكثر من الاعتبارات التجارية؟
بالتأكيد إدارة أي خط بحري في ظروف طبيعية تحتاج إلى تخطيط دقيق، فكيف عندما يعمل الخط وسط أزمة وحرب وتغيرات مستمرة؟
واجهنا تحديات كبيرة، من ارتفاع تكاليف التشغيل، وزيادة التأمين البحري، وصعوبة الظروف اللوجستية، لكننا كنا نضع أمامنا سؤالًا أساسيًا:
ماذا يعني توقف الخط بالنسبة للناس؟
الإجابة كانت واضحة؛ توقف الرحلات لم يكن يعني توقف نشاط شركة فقط، بل كان يعني تعطيل مصالح آلاف الأشخاص الذين يعتمدون على هذا الجسر البحري في السفر والعلاج والدراسة والعمل ولمّ شمل الأسر.
لذلك اتخذنا قرارات لم تكن دائمًا الأسهل اقتصاديًا، لكننا رأينا أنها ضرورية للحفاظ على استمرارية الخدمة.كما حرصنا قدر الإمكان على تقديم تسهيلات للحالات الإنسانية، والمساهمة في المبادرات المجتمعية.فنحن نؤمن أن المسؤولية الحقيقية تظهر في الأوقات الصعبة، عندما يكون القرار مرتبطًا بحياة الناس وليس بالأرقام فقط.
لو عاد بكم الزمن إلى مايو 2023، هل كنتم ستتخذون قرار دخول خط جدة–سواكن مرة أخرى؟
نعم، ومن دون تردد. اليوم، وبعد أكثر من ثلاث سنوات من التجربة، أصبح لدينا يقين أكبر بأن القرار الذي اتخذناه في مايو 2023 كان قرارًا صحيحًا، رغم كل الصعوبات التي صاحبت البداية.
كانت الطريق مليئة بالتحديات، لكننا رأينا نتائج تتجاوز الجانب التشغيلي.رأينا آلاف الأسر تعبر بأمان، ومرضى يصلون إلى وجهاتهم، وحجاجًا يكملون رحلاتهم، وأشخاصًا وجدوا منفذًا للسفر في وقت كانت فيه الخيارات محدودة.
كما ساهم استمرار الخط في الحفاظ على أحد أهم جسور التواصل بين السودان والمملكة العربية السعودية خلال فترة حرجة.ولو عاد بنا الزمن، فسنتخذ القرار نفسه، ولكن بخبرة أكبر ورؤية أوسع.لأن بعض القرارات لا تُقاس فقط بما تحققه من عائد اقتصادي، وإنما بما تتركه من أثر في حياة الناس.
ما أكثر موقف جعلكم تدركون أنكم لا تديرون شركة فقط، بل تتحملون مسؤولية وطنية؟
كان ذلك في الأيام الأولى للحرب.عندما رأينا آلاف الأسر تبحث عن أي وسيلة آمنة للعبور، أدركنا أن كل رحلة ليست مجرد عملية نقل ركاب.كانت هناك قصص إنسانية خلف كل مسافر:
أب يحاول الوصول إلى أسرته،
أم تريد العودة إلى أبنائها،
مريض يحتاج إلى العلاج،
وعائلة فرقتها ظروف الحرب.
في تلك اللحظات شعرنا أن مسؤوليتنا تجاوزت حدود العمل التجاري.أصبحنا ندرك أن السفينة لا تحمل أشخاصًا فقط، بل تحمل آمالًا واحتياجات وأحلامًا.ومنذ ذلك الوقت أصبح هذا الشعور حاضرًا في كل قرار نتخذه.
:
هل تعتقدون أن بسام شيبينغ أصبحت جزءًا من ذاكرة السودانيين؟
نحن لا نستطيع أن نحكم على مكانتنا في ذاكرة الناس، فهذا حقهم وحدهم.لكن ما نستطيع قوله هو أننا كنا موجودين في مرحلة استثنائية من تاريخ السودان، وفي لحظات كان الناس يحتاجون فيها إلى من يقف معهم.دخل اسم بسام شيبينغ إلى كثير من البيوت السودانية من خلال التجارب التي عاشها الناس معنا:
من رحلة إجلاء،
إلى موسم حج،
إلى عودة أسرة،
إلى مساعدة حالة إنسانية.
وهذا النوع من الحضور لا تصنعه الإعلانات، بل تصنعه المواقف.لكننا ندرك أيضًا أن الثقة ليست شيئًا يُمتلك إلى الأبد، بل مسؤولية تحتاج إلى المحافظة عليها يومًا بعد يوم.ونأمل أن تبقى صورة بسام شيبينغ مرتبطة بالثقة والاحترام والخدمة التي تليق بالمسافر السوداني.
ماذا يعني لكم شعار: “نعبر البحر… لنصنع الثقة”؟
هذا الشعار يلخص فلسفة الشركة.فنحن لا نرى الرحلة مجرد انتقال من ميناء إلى آخر، بل نراها علاقة تبدأ منذ لحظة الحجز وتستمر حتى وصول المسافر إلى وجهته.ولهذا فإن شعارنا المؤسسي:
“بسام شيبينغ… ثقةٌ تُبحر معك، وأمانٌ يصل قلبك.”
يعكس ما نؤمن به: أن الوصول ليس الهدف الوحيد، بل الطريقة التي نصل بها.نريد أن يشعر المسافر بالثقة، وأن يعرف أن هناك شركة تهتم بتجربته وراحته وسلامته. فالنجاح الحقيقي بالنسبة لنا ليس عدد الرحلات فقط، وإنما عدد الأشخاص الذين غادروا السفينة وهم يشعرون بالرضا والاطمئنان.
لو لم تدخل بسام شيبينغ خط جدة–سواكن في مايو 2023، كيف كان يمكن أن يكون الوضع؟
من الصعب الحكم على سيناريو لم يحدث، لأن لكل جهة دورها وجهودها في تلك المرحلة.لكن المؤكد أن دخول بسام شيبينغ ساهم في زيادة خيارات السفر، ودعم استمرار حركة النقل البحري بين السودان والمملكة العربية السعودية، وساعد في نقل أعداد كبيرة من المسافرين خلال فترة كانت الحاجة فيها إلى وسائل نقل آمنة وموثوقة في أعلى مستوياتها.ونحن نعتز بأننا كنا جزءًا من هذا الجهد، بالتعاون مع شركائنا والجهات المختصة.فالنجاح في مثل هذه الظروف لا تصنعه جهة واحدة، بل هو نتيجة تكامل جهود الجميع.
إذا طلبنا منكم اختصار رحلة بسام شيبينغ منذ الحرب وحتى اليوم في جملة واحدة… ماذا ستقولون للسودانيين وهم يستعدون لمرحلة التعافي والإعمار؟
سنقول: “بسام شيبينغ لم تختر أن تكون شاهدة على الأزمة، بل اختارت أن تكون جزءًا من الحل، وستواصل دورها لتكون شريكًا في مرحلة التعافي والإعمار.”
بدأت الرحلة عندما كان الناس يبحثون عن طريق للنجاة، وستستمر اليوم عندما يبحث الوطن عن طريق للبناء. ففي مرحلة الحرب كان دورنا أن نحافظ على الإنسان،وفي مرحلة التعافي سيكون دورنا أن نساهم في نقل أدوات البناء والأمل.هذه هي رحلتنا، وهذه هي رسالتنا.
من رئيس التحرير
من بين أمواج البحر الأحمر، ولدت قصة لم تكن مجرد قصة نقل بحري، بل قصة قرار ومسؤولية وثقة.قصة شركة اختارت أن تعمل عندما كانت الظروف تدفع الجميع إلى الانتظار، وأن ترى في كل رحلة إنسانًا قبل أن ترى فيها رقمًا.
واليوم، مع انتقال السودان من مرحلة الأزمة إلى مرحلة التعافي، تواصل بسام شيبينغ رحلتها من موقع جديد؛ ليس فقط كناقل بحري، بل كشريك في بناء جسور التواصل والتجارة والإعمار. لأن بعض الرحلات لا تنتهي عند الوصول… بل تبدأ هناك.

