في 13 مايو 2026- أصدر المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP) تقريراً لافتاً بعنوان «دَور الإمارات المزعزع للاستقرار في الصراعات الأفريقية»، خلُص فيه إلى أن أبوظبي باتت من أكثر الفاعلين الخارجيين عدوانية في النزاعات الممتدة من إثيوبيا وليبيا إلى الصومال والسودان. ورغم النفي الرسمي المستمر، يرى التقرير أن هذا الدور يقوّض جهود السلام، ويفاقم الأزمات الإنسانية، ويهدد المصالح الأوروبية الاستراتيجية في ممرات التجارة والتكامل الإقليمي، ما استدعى توصية مباشرة لألمانيا وشركائها بفرض عقوبات ومواجهة هذه السياسات بوضوح أشد.
ينضم هذا التقرير إلى ترسانة متراكمة من الدراسات الاستقصائية المستقلة التي تضع علامات استفهام كبرى حول السلوك الإماراتي؛ إذ لم يعد هذا السلوك قابلاً للتفسير بلغة «المصالح الاستراتيجية المباشرة» وحدها، حتى لو افترضنا جدلاً أن السلطة المركزية هناك قد تجردت تماماً من اعتبارات الإنسانية والجوار.
فهناك مفارقة واضحة: اندفاع مستمر في بيئات جيوسياسية شديدة الخطورة، يعود على الدولة بتبعات كارثية تفوق أي مكاسب مفترضة.
فرضية فقدان السيادة: التبعية والمقامرة بالحوالة
عند تمحيص التحليلات المتباينة ومتابعة ديناميكيات المنطقة في السنوات الأخيرة، يترجح تفسير بنيوي وعميق لحالة الإمارات: إنها دولة فقدت سيادتها الفعلية على توجيه سياستها الخارجية منذ بضع سنوات على أقل تقدير، وتحولت إلى “ظل جيوسياسي” لقوى إمبريالية ونيوكولونيالية كبرى اختُصرت في محور (واشنطن – تل أبيب).
هذه الفرضية ليست وليدة حرب السودان الحالية فحسب، بل تفسر جملة تحركات الدولة في المنطقة (بما فيها اليمن). إنها تحركات يصعب – على المدى البعيد – أن تخرج منها الإمارات بربح أصيل (سياسياً أو اقتصادياً أو عسكرياً). البديل المنطقي الوحيد المقروء هنا هو «الربح بالحوالة»؛ أي الانصياع لقوى أكبر تدير الفوضى الحالية لإعادة ترتيب الإقليم، على أمل أن تُغدق هذه القوى على الإمارات بربح نسبي كـ «مكافأة» على دورها كأداة طيّعة لتنفيذ المهام الخشنة في فترات التحول.
تنويه منهجي: الحديث هنا ينصرف حصراً إلى السلطة المركزية الحاكمة وصانع القرار السياسي والعسكري، ولا يستهدف شعب الإمارات، أو تاريخه، أو “عالم الحياة اليومي” المشترك هناك. فالمواطنون يمثلون أقلية إحصائية لا تتجاوز 12% من السكان، ومساهمتهم الإنتاجية والحركية محدودة مقارنة بالكتلة العمالية والمهنية الوافدة التي تدير العصب الحيوي للدولة. كما لا ينكر هذا التحليل وجود طفرة في البنية التحتية والخدمات العامة، لكنها مساحات معزولة تماماً عن طبيعة القرار الجيوسياسي المغامر للسلطة.
متلازمة الحجم وفخ «الهروب إلى الأمام»
السلطة الإماراتية لم تكن تخطط، في بداياتها، للوصول إلى هذا المستوى من فقدان السيادة والاستتباع الكامل. بل بدأت المسألة كسلسلة من القرارات والانحيازات الاستراتيجية التي بَدت في البداية كمساحات تمدد مشروعة لطموحات السلطة المطلقة.
توسعة الخيارات والحصول على حصة أكبر من كعكة النفوذ الإقليمي:
لكن الإمارات تمادت إلى حدٍّ تجاوزت فيه “خط الرجعة”، واصطدمت بـ «معضلة الحجم الحقيقي». لقد ظنت أبوظبي أنها قادرة على محاكاة دول ذات أحجام استراتيجية وتاريخية كبرى في المنطقة، غافلةً عن أن القدرات الاستراتيجية تحتاج عقوداً من البناء البشري والمؤسسي، وأن “مال الريع” لا يمكنه شراء كل شيء.
وهم القوة الوسطى (Middle\ Power) وواقع الإمبريالية الفرعية:
تاريخياً، سعت الإمارات للارتقاء إلى مصاف «القوة الوسطى»—وهي الدول التي تمارس نفوذاً دولياً مستداماً عبر الدبلوماسية والثقل الاقتصادي والتحالفات (مثل كندا، تركيا، البرازيل، السعودية، وجنوب أفريقيا). غير أن الطموح الإماراتي افتقد للمقومات البنيوية الأساسية..
المصدر: موقع (الحقيقة)

