تقارير وحوارات

تحدث كما لم يتحدث من قبل وكشف عن معلومات تنشر لأول مرة.. مستشار رئيس الوزراء مصلح نصار في حوار الصراحة والشفافية وإخراج الهواء الساخن

الخرطوم | الآن نيوز

في وقت يواجه فيه السودان واحدة من أعقد مراحله الوطنية، تتقاطع فيه تداعيات الحرب مع تحديات الانقسام المجتمعي والأزمة الاقتصادية، يبرز ملف المصالحات المجتمعية كأحد أهم المسارات لاستعادة التماسك الوطني وإغلاق أبواب الفتن.

منذ توليه مهامه مستشاراً لرئيس الوزراء للمصالحات المجتمعية، شرع المسؤول في تحريك عدد من المبادرات الميدانية بين مكونات المجتمع السوداني، مؤكداً أن المعركة لا تقتصر على حماية الأرض والمؤسسات، بل تمتد إلى حماية النسيج الاجتماعي ومنع تفكك المجتمع.

 

وفي هذا الحوار، يكشف مستشار رئيس الوزراء للمصالحات المجتمعية تفاصيل جهود المصالحات، ورؤيته لتأثير الحرب على المجتمع، ودور الإعلام في المرحلة الراهنة، كما يتحدث عن الاقتصاد، وأداء مؤسسات الدولة، ومستقبل السودان في ظل التحديات المتلاحقة. حوار ساخن يفتح ملفات المصالحات، الحرب، الإعلام، الاقتصاد، ومستقبل الدولة السودانية.

 

منذ تكليفكم مستشاراً لرئيس الوزراء للمصالحات المجتمعية، ماذا تحقق في هذا الملف؟

 

بدأنا العمل بصورة رسمية منذ أغسطس (آب) من العام الماضي، ومنذ ذلك التاريخ نفذنا أكثر من 30 مبادرة للمصالحة المجتمعية في عدد من ولايات السودان. شملت هذه المبادرات معالجة نزاعات قبلية، والوصول إلى تفاهمات بين المكونات المحلية، وترميم آثار الحرب الاجتماعية، إلى جانب جهود مستمرة في إصلاح ذات البين وتقريب وجهات النظر بين أبناء المجتمع الواحد.

 

ما أولوياتكم خلال المرحلة الحالية؟

 

الأولوية الأولى بالنسبة لنا هي التدخل المبكر قبل أن تتحول أي مشكلة صغيرة إلى أزمة كبيرة. نحن نؤمن بأن معظم النزاعات تبدأ محدودة، لكن تجاهلها قد يؤدي إلى تعقيدات يصعب احتواؤها، لذلك نتعامل مع جميع القضايا باعتبارها أولوية وطنية.

 

هل ترون أن الحرب استهدفت النسيج الاجتماعي إلى جانب البنية التحتية؟

 

بكل تأكيد. الحرب لم تستهدف المنشآت والمؤسسات فقط، بل امتدت آثارها إلى وحدة المجتمع السوداني وتماسكه. لذلك أصبحت المصالحات المجتمعية ضرورة وطنية لإعادة بناء الثقة بين المواطنين، ومعالجة آثار الحرب الاجتماعية، وإغلاق الطريق أمام محاولات إشعال الفتن.

 

كيف تنسقون مع القوات النظامية في هذا الملف؟

 

هناك تنسيق كامل مع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والشرطة. دورنا هو دعم هذه المؤسسات من الجانب المجتمعي حتى تتمكن من التركيز على مهامها الأمنية، فكل جهة تعمل من موقعها لخدمة الوطن والحفاظ على استقراره.

 

هل ما زالت هناك ملفات مفتوحة للمصالحة؟

 

نعم، هناك العديد من الملفات التي تحتاج إلى تدخل، ووفودنا تتحرك بصورة مستمرة بين الولايات لعقد لقاءات مباشرة مع مختلف المكونات المجتمعية. سنواصل هذا العمل بهدف الوصول إلى أكبر قدر ممكن من التوافق والاستقرار.

 

تحدثتم عن جهات تعمل على إثارة الفتن القبلية، كيف تنظرون إلى ذلك؟

 

للأسف هناك جهات ومنصات ممولة تحاول استغلال التنوع القبلي الموجود في السودان لإدارة الصراعات وتعميق الانقسامات. ونحن نواجه هذه المحاولات بالحوار، ونشر ثقافة التعايش، وتعزيز قيم المصالحة والوحدة الوطنية.

 

كيف تقيمون دور الإعلام والصحافة في هذه المرحلة؟

 

الصحافة تمثل خط الدفاع الأول في معركة الوعي، والصحفيون يقومون بدور لا يقل أهمية عن أي دور وطني آخر. الإعلام يمكن أن يكون عاملاً في حماية المجتمع وتعزيز الاستقرار، كما يمكن أن تكون له آثار سلبية إذا تم توظيفه بصورة غير مسؤولة.

 

لذلك فإن دعم الصحافة الوطنية وتأهيلها يمثل ضرورة حقيقية في هذه المرحلة.

 

ما الذي تحتاجه الصحافة السودانية لاستعادة دورها؟

 

تحتاج الصحافة إلى توحيد صفوف الأسرة الصحفية، ومراجعة أوضاع المهنة، وتجديد المؤسسات الصحفية، وتوفير الرعاية اللازمة لها، إلى جانب تطبيق قانون الصحافة والمطبوعات بما يحفظ مكانة الصحافة المهنية.

 

كما أن الحرب أضعفت الصحافة مثلما أضعفت مؤسسات الدولة الأخرى، ومن أسباب ذلك إسناد بعض مواقع الإعلام إلى غير المتخصصين. مسؤول الإعلام يجب أن يكون صاحب خبرة مهنية وإدراك لطبيعة العمل الصحفي.

 

دعوتم إلى تحسين أوضاع الصحفيين.. كيف يمكن تحقيق ذلك؟

 

لا يمكن الحديث عن صحافة مستقلة من دون صحفي يتمتع بحياة كريمة واستقلال مهني. الصحفي يحتاج إلى بيئة تحفظ مكانته وتضمن قدرته على أداء دوره بعيداً عن الضغوط أو الإغراءات.

 

ما رسالتكم للمسؤولين بشأن النقد الإعلامي؟

 

على المسؤولين تقبل النقد الموضوعي، لأن الإعلام شريك في الإصلاح وليس خصماً للحكومة. النقد المهني يساعد على اكتشاف الأخطاء وتصحيح المسار وتحسين الأداء المؤسسي.

 

كيف تنظرون إلى الوضع الاقتصادي الحالي؟

 

رغم ظروف الحرب، فإن السودان يمتلك موارد ضخمة وإمكانات كبيرة، وما زالت تكلفة المعيشة فيه أقل من كثير من الدول التي زرتها. لكن المشكلة الأساسية تكمن في الحاجة إلى إصلاح مؤسسات الدولة وإدارة الموارد بصورة تحقق فوائد مباشرة للمواطنين.

 

كيف تقيمون أداء الدولة منذ اندلاع الحرب؟

 

الحرب وضعت الدولة أمام تحديات غير مسبوقة، لكن هناك جهوداً بذلت للحفاظ على مؤسسات الدولة واستمرار عملها، خاصة في ولاية البحر الأحمر. كما لا يمكن تجاهل الدور الذي قام به عدد من رجال الأعمال في دعم الدولة خلال هذه المرحلة الصعبة.

 

هناك من استغل ظروف الحرب لتحقيق مكاسب.. كيف ترون ذلك؟

 

هذا أمر مرفوض تماماً. المرحلة الحالية تتطلب تقديم المصلحة الوطنية على المصالح الشخصية، فالسودان يواجه تحديات كبيرة ولا يحتمل استغلال الأزمات لتحقيق مكاسب خاصة.

 

ما رؤيتكم لمعالجة الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار؟

 

المطلوب تعزيز دور وزارة المالية والأجهزة الرقابية والأمنية، لأن ضبط الأسواق وحماية الاقتصاد يحتاجان إلى مؤسسات قوية وقوانين تطبق بحزم وعدالة.

 

لماذا تؤكدون أهمية دور جهاز المخابرات العامة في هذه المرحلة؟

 

لأن جهاز المخابرات يمثل إحدى ركائز الأمن الداخلي، وقد كان له دور مهم قبل الحرب في حماية الاقتصاد ورصد الاختلالات. ومن وجهة نظري، فإن تمكين المؤسسات الوطنية ومنحها القدرة على أداء دورها أمر ضروري لتحقيق الاستقرار.

 

هل تعتقدون أن الجهاز تعرض للاستهداف؟

 

أعتقد أن المؤسسات القوية في أي دولة تكون دائماً عرضة للاستهداف، لأن إضعافها ينعكس على قدرة الدولة في حماية مصالحها وأمنها.

 

كيف يمكن تحقيق الاستقرار في السودان؟

 

لا يمكن تحقيق استقرار اقتصادي أو اجتماعي دون استقرار أمني. المطلوب دعم مؤسسات الدولة، ومواجهة الشائعات، والتصدي لمحاولات بث الفتن بين المؤسسات والمواطنين، وتعزيز الثقة بين جميع مكونات المجتمع.

 

كيف تقيمون أداء الحكومة؟

 

أتابع أداء الحكومة بصورة يومية، وأدعم أي خطوة إيجابية، وفي المقابل أنتقد أي قصور أراه. وما أكتبه في مقالاتي ومنصاتي الإعلامية يمثل رأيي الشخصي ولا يعبر عن موقف رسمي لأي جهة.

 

متى يحين وقت وضع استراتيجية وطنية للحماية الاجتماعية وإعادة البناء؟

 

الأولوية الآن هي إنهاء الحرب واستعادة الأمن، وبعد ذلك يمكن الانتقال إلى وضع استراتيجيات وطنية شاملة لإدارة الدولة وإعادة البناء واستثمار موارد السودان.

 

كيف ترون مستقبل السودان؟

 

السودان بلد غني بموارده الطبيعية وأراضيه الزراعية ومياهه، لكنه يحتاج إلى توافق وطني حقيقي ونبذ القبلية والجهوية وكل أسباب الانقسام، حتى يعمل الجميع ضمن مشروع وطني جامع.

 

وجهتم انتقادات لابتعاد بعض المسؤولين عن المواطنين.. ماذا تقصدون؟

 

أرى أن المبالغة في الإجراءات الأمنية قد تعطي انطباعاً بأن المسؤول بعيد عن المواطن، بينما المطلوب أن يكون المسؤول قريباً من الناس، يزور الأحياء والأسواق، ويتابع أوضاع النازحين والمتضررين، ويستمع مباشرة إلى مشكلاتهم.

 

هل مررتم بمواقف عززت هذه القناعة؟

 

نعم، شاهدت في بعض المناسبات إجراءات أمنية مبالغاً فيها حالت دون اقتراب المواطنين من المسؤولين، وأرى أن ذلك لا يعكس العلاقة الطبيعية التي يجب أن تربط المسؤول بالشعب.

 

تحدثتم عن مبادرات شخصية لمساعدة المواطنين.. ماذا تقصدون؟

 

كثيراً ما أتحرك استجابة لنداءات تصلني عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأبادر مع عدد من الشباب لتقديم المساعدة، لأن خدمة الناس مسؤولية مجتمعية قبل أن تكون مسؤولية رسمية.

 

ما رسالتكم الأخيرة للمسؤولين وللشعب السوداني؟

 

رسالتي للمسؤولين هي ضرورة النزول إلى الميدان، والوجود وسط المواطنين، والاستماع إلى قضاياهم بصورة مباشرة.

 

أما للسودانيين فأدعو إلى نبذ خطاب الكراهية، ودعم المصالحات المجتمعية، والتمسك بقيم التسامح والتكافل، لأن السودان لن ينهض إلا بوحدة أبنائه وحماية نسيجه الاجتماعي والعمل المشترك من أجل بناء دولة آمنة ومستقرة.

 

المصدر: رسال نيوز

زر الذهاب إلى الأعلى