تقارير وحوارات

من يدير المطبخ السياسي للبرهان؟.. اليك التفاصيل

الخرطوم | الآن نيوز

في العرف السياسي، لا تُدار الدول بالقرارات المرتجلة ولا بالخطابات العابرة، بل عبر ما يُعرف اصطلاحًا بـ”المطابخ السياسية”؛ تلك الدوائر التي تضع التصورات، وتقرأ التهديدات، وتصنع المسارات قبل أن تظهر للعلن في شكل قرارات أو تحركات أو تفاهمات. تختلف هذه المطابخ من دولة لأخرى؛ فبعض الأنظمة تعتمد على الأحزاب العقائدية، وبعضها على مراكز الدراسات الاستراتيجية، بينما تلجأ دول أخرى إلى شبكات أمنية وعسكرية واقتصادية تتولى رسم الاتجاه العام للدولة.

▫️السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السودان: من يدير المطبخ السياسي للفريق أول عبد الفتاح البرهان؟ ومن يخطط للرجل؟ ومن يضع اللمسات السياسية الدقيقة في مرحلة تُعد من أخطر مراحل الدولة السودانية منذ الاستقلال؟

▫️البرهان جاء إلى السلطة في لحظة انهيار سياسي شامل، بعد سقوط نظام ظل لعقود يدير الدولة عبر منظومة سياسية متماسكة، لها أذرعها التنظيمية والطلابية والنقابية والإعلامية، وتتحرك وفق مركز تخطيط واضح داخل الحركة الإسلامية. بسقوط ذلك النظام، سقطت معه المطابخ التقليدية التي كانت تُنتج القرار وتغلفه سياسيًا. ومنذ ذلك الوقت ظل السودان يعيش حالة فراغ سياسي عميق، حاول العسكريون ملأه بطريقتهم الخاصة.

▫️في السنوات الأخيرة، بدا واضحًا أن البرهان أعاد ترتيب المشهد داخل المؤسسة العسكرية نفسها. الهيكلة الأخيرة للجيش، وإعادة توزيع الأدوار داخل مجلس السيادة، لم تكن مجرد ترتيبات إدارية، بل حملت رسائل سياسية عميقة. فالفريق أول شمس الدين الكباشي، الذي ظل لسنوات العقل السياسي الأبرز داخل المنظومة العسكرية، والرجل الذي قاد معظم جولات التفاوض مع القوى المدنية منذ أيام الحرية والتغيير وحتى تشكيل حكومة كامل إدريس، انتقل بصورة لافتة إلى ملفات التخطيط الاستراتيجي العسكري، وكأن الرجل أُبعد – أو ابتعد – عن “دسك” إدارة الملف السياسي الذي ظل ممسكًا به لفترة طويلة.

▫️الكباشي لم يكن مجرد عضو مجلس سيادة، بل كان واجهة التفاوض، وصاحب اللغة السياسية الأكثر حضورًا داخل المؤسسة العسكرية. ولذلك فإن تراجع ظهوره السياسي يفتح الباب لسؤال مشروع: من ملأ هذا الفراغ؟ وهل أصبح البرهان يدير الملف السياسي بنفسه دون وسيط أو دائرة منظمة؟

▫️في المقابل، ظل الفريق أول إبراهيم جابر يؤدي دور “الدولة التنفيذية” في غياب المؤسسات المدنية. الرجل تحرك في الملفات الخدمية والاقتصادية والإدارية، وآخر مهامه الكبرى كانت تهيئة الخرطوم لعودة السلطة من بورتسودان إلى العاصمة. وبغض النظر عن التقييم السياسي، فإن كثيرين يشهدون للرجل بأنه خاض معركة خدمية حقيقية لإعادة الكهرباء والمياه وتنظيف العاصمة وتهيئة البيئة لعودة المواطنين. وهو دور أقرب إلى “رئيس وزراء ميداني” أكثر من كونه دورًا سياسيًا تقليديًا.

▫️أما الفريق أول ياسر العطا، فقد تحول بعد الحرب إلى أحد أهم أعمدة المشهد العسكري والشعبي معًا. الرجل لعب أدوارًا كبيرة في معركة الخرطوم، واستفاد من علاقاته الواسعة مع القوى المساندة للجيش، ثم جاءت رئاسة هيئة الأركان لاحقًا كامتداد طبيعي لدوره الميداني والعسكري. العطا اليوم يتحرك داخل مساحة النفوذ العسكري الصلب، أكثر من تحركه داخل دهاليز السياسة المدنية.

▫️لكن رغم كل هذه الأدوار، يظل السؤال قائمًا: أين المطبخ السياسي الحقيقي؟ من يقرأ للبرهان المشهد؟ من يربط بين الحرب والسياسة والانتقال القادم؟ ومن يفتح القنوات مع الكتل السياسية التي ابتعدت عن المشهد أو أُبعدت عنه؟

▫️في تقديرنا، تبدو السلطة اليوم وكأنها انتقلت من مرحلة “الإدارة الجماعية” داخل مجلس السيادة إلى مرحلة “القيادة الفردية” التي يركز فيها البرهان معظم الخيوط بيده. وهذا يفسر التحولات الأخيرة في سلوك الرجل السياسي والميداني. فالناظر لتحركات البرهان داخل الخرطوم يلاحظ أن الرجل لا يتحرك بعقلية قائد حرب فقط، بل بعقلية سياسي يختبر الشارع ويعيد بناء صورته العامة.

▫️البرهان يتجول وسط المواطنين، يدخل المقاهي والكافيهات، يلتقط صور “السلفي” مع الشباب، يقود عربة “بوكس دبل كاب” وسط الأحياء، ويتعمد الظهور في مشاهد بسيطة وقريبة من الناس. وهي تحركات لا تبدو عفوية بالكامل، بل أقرب إلى تمهيد نفسي وسياسي لمعركة طويلة قادمة، ربما يكون عنوانها الانتخابات أو البحث عن شرعية شعبية مباشرة بعد سنوات الحرب.

▫️لكن أي مشروع سياسي قادم يحتاج إلى أكثر من الشعبية اللحظية أو الحضور الميداني. يحتاج إلى مطبخ سياسي حقيقي، يقرأ الداخل والخارج، ويعيد بناء الجسور مع القوى السياسية والاجتماعية، ويمنع الدولة من التحول إلى مجرد إدارة أزمة يومية.

▫️ولهذا يبرز سؤال آخر أكثر حساسية: لماذا لا تُسند للكباشي مهام سياسية جديدة تُعيده إلى دائرة التواصل مع القوى السياسية؟ فالرجل، بحكم تجربته وعلاقاته، ما يزال يملك القدرة على لعب دور “حلقة الوصل” بين المؤسسة العسكرية والكتل السياسية التي ظلت بعيدة عن الحراك الأخير. خاصة وأن أي مرحلة انتقالية قادمة لن تستقيم بالعسكر وحدهم، ولا بالشعبية وحدها، بل تحتاج إلى سند سياسي حقيقي يملأ الفراغ الذي ما زال يتسع يومًا بعد يوم.

 

المصدر: عوض الله نواي – مدير وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام

زر الذهاب إلى الأعلى