منوعات وفنون

مصطفى مكي يكتب.. حين تفتح ود مدني قلبها وتقول “هذا جمالي”

الخرطوم | الآن نيوز

بعد تحرير الروح من قيود النزوح، كانت زياراتي لود مدني – تلك المدينة التي تشبثت بجذوري كما تشبث النخيل والنيم والتبلدي، بأرض السودان – زيارات عابرة، تذوب في زحام الإلتزامات الأسرية والعملية. لكن في هذه الزيارة، خصصت مساحة للروح، ووضعت على رأس برنامجي الإجتماعي محطة لا يمكن تفويتها: زيارة إلى منزل الأستاذ الشاعر جمال عبدالرحيم.

 

كان اللقاء واجب محبة قبل أي شيء. فلهذا الرجل معزةٌ خاصة في نفسي، تعود إلى أيام كانت أحلامنا تُصنع في استوديوهات تلفزيون الجزيرة. أيام “جوطة أطفال”، حيث كنت ألهو مع البراءة أمام الكاميرا، وفي اليوم ذاته، كان هو ينسج خيوط النغم والشعر في برنامجه الأثير “جميل الأغانيات”. كنت حريصًا على حضور تسجيل حلقاته، طالبًا نور تجربته. وكما يُكرم الوالد ولده، كان الأستاذ جمال يُكرمني بنصائحه الذهبية بعد مشاهدة حلقاتي، يُقوّم ويُرشد، ويُشاركني حكايات طفولته المبكرة مع الفن، كأنه يريد أن يقول: “لقد بدأت كما بدأت، فاستمر”. كانت زياراتي لمكتبه باتحاد الفنانين محطات إشعاع في مسيرتي.

 

واليوم، زيارتي له في بيته كانت للاطمئنان على صحته، ولأرى ذلك الوجه الودود الذي أنار طريقًا للكثيرين. حملت له دعوات قلبي بأن يدوم له العطاء في صحة وعافية.

 

وجلستُ أفكر: ما أعظم إنجاز رجل يهب كلماته للحن، فيحيلها أغاني تخلد في ذاكرة الوطن! فمن يراجع سجل أغاني السودان الخالدة، يجد بصمة “جمال عبدالرحيم” منقوشة بأحرف من نور. “العصفور” بصوت العملاق النور الجيلاني، تحلق في سماء كل سوداني. وحيدر بورتسودان ينقل قصائده إلى آذاننا، آخرها تلك التحفة “الريدة البخافها”.

 

مجموعة عقد الجلادل حوّلت كلماته إلى أناشيد تتردد في كل مكان: “عطبرة”، و”صوت الاستحالة”، و”بطن الحوت”. كما غنى له صوت كسلا الشجي الرشيد، وصوت الحنين عمر جعفر في “نمة حب”، وفتاح السقيد في “الياسمينة” وفي تلك التحفة التي صارت نشيدًا عاطفيًا لود مدني: “جيتي من وين يا بنية.. ناوية على وين السفر؟ قلتي لي: مدني الجميلة.. مدني يا أجمل خبر”.

 

ولم يتوقف عطاؤه عند هؤلاء، بل غنى له عمار السنوسي وعبد السلام السنوسي وأحمد طابت وفهيمة عبد الله والطيب عبد الله… قائمة تطول من الأصوات التي ازدهرت بكلماته.

 

وفي حديثه، كان الرجل متواضعًا كعادته، يذكر بامتنان المثقفين والأدباء الذين شكّلوا معه ذاكرة المدينة، ويُشير إلى أن آخر أعماله الشعرية كانت هدية خالصة للأستاذ محمد النصري، في دلالة على وفائه وتقديره لمسيرته.

 

غادرت منزله وأنا أحمل في قلبي شيئًا من طمأنينته، وفي روحي شيئًا من نور شعره. زيارته تذكير بأن بعض الأماكن في الوطن ليست جغرافية فقط، بل هي إحداثيات في خارطة الروح. وبأن بعض الأشخاص ليسوا بشرًا فقط، بل هم تاريخ يمشي على الأرض، ويُغذي بجذوره شجرة الثقافة السودانية الوارفة.

 

أدام الله عليك نعمة العطاء، أستاذنا جمال عبدالرحيم. ودامت ود مدني، المدينة الجميلة، تظلّل بأشجارها وذكرياتها كل من يحب

.

زر الذهاب إلى الأعلى