الشيخ الزين محمد أحمد الزين يوجّه إنذاراً قانونياً نهائياً ضد التشهير والإساءة الإلكترونية في السودان
الخرطوم | الآن نيوز

وجّهت مجموعة الاعتصام للمحاماة والاستشارات القانونية إنذاراً قانونياً نهائياً إلى الكافة، بناءً على طلب موكلها الشيخ الزين محمد أحمد الزين، دعت فيه إلى الكف الفوري عن أي نشر أو إعادة نشر أو تداول إلكتروني لمواد قالت إنها تتضمن إساءة أو تشهيراً أو مساساً بسمعة موكلها وكرامته واعتباره، مع التأكيد على احتفاظه بكامل حقوقه في اتخاذ الإجراءات الجنائية والمدنية والمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي قد تلحق به.
ويأتي الإنذار في وقت أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي في السودان جزءاً رئيسياً من المشهد العام، ليس فقط في تداول الأخبار والمعلومات، وإنما أيضاً في تشكيل المواقف تجاه الشخصيات العامة والقيادات المجتمعية والدينية، وسط بيئة مضطربة فرضتها الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، وما صاحبها من استقطاب سياسي واجتماعي وأمني وإعلامي حاد.
إنذار قانوني بصيغة نهائية
وبحسب نص الإنذار، تقول هيئة الدفاع إن موكلها رصد ووثّق محتويات جرى نشرها وتداولها عبر منصات ووسائط إلكترونية مختلفة، وتتصل بشخصه، وتضمنت – وفق وصف الإنذار – عبارات وادعاءات وإشارات ومواد من شأنها النيل من سمعته واعتباره وكرامته ومكانته أمام الغير.
كما يشير الإنذار إلى رصد عمليات إعادة نشر ومشاركة وتعليق وتداول للمحتويات محل الاعتراض عبر حسابات وصفحات ومجموعات ومنصات أخرى، الأمر الذي أدى، بحسب الهيئة، إلى اتساع نطاق انتشار تلك المواد واستمرار آثارها.
وتؤكد هيئة الدفاع في المقابل أن موكلها لا ينازع الآخرين في حقهم المشروع في التعبير أو النقد أو إبداء الرأي، متى تمت ممارسة ذلك في حدود القانون ودون اعتداء على حقوق الغير.
ويشدد الإنذار على أن من لديه شكوى أو ادعاء في مواجهة الشيخ الزين محمد أحمد الزين يمكنه – وفقاً لما ورد في الإنذار – طرحه أمام الجهات المختصة، لكن ذلك لا يمنحه حق التشهير أو الإساءة أو نشر الاتهامات بطريقة تضر بالحقوق الشخصية.
ماذا طلب الإنذار؟
تضمن الإنذار عدداً من المطالب الرئيسية، أبرزها:
– الكف الفوري عن نشر أو إعادة نشر أو مشاركة أو تداول أو ترويج أي محتوى تعتبره هيئة الدفاع مسيئاً إلى موكلها.
– الامتناع عن تداول المحتويات محل الاعتراض عبر الصفحات والمجموعات العامة والخاصة والرسائل الفردية وغيرها من الوسائط الإلكترونية.
– إزالة المواد التي سبق نشرها أو إعادة نشرها متى كانت، بحسب وصف الإنذار، متضمنة إساءة أو تشهيراً أو مساساً بحقوق موكلها.
– الاحتفاظ بكامل الأدلة والمواد الرقمية ذات الصلة، بما في ذلك المنشورات والتعليقات والصور والروابط والتسجيلات والحسابات والصفحات والمجموعات وتواريخ النشر وإعادة النشر.
– الاحتفاظ بالحق في اللجوء إلى الجهات القضائية المختصة واتخاذ الإجراءات الجنائية والمدنية والمطالبة بالتعويض عن الأضرار المادية والأدبية والمعنوية.
كما شدد الإنذار على أن حذف المحتوى – في حال وقوعه – لا يعني بالضرورة التنازل عن الحقوق المتعلقة بالفعل السابق، وفقاً لما تراه الجهة القانونية صاحبة الإنذار.
السند القانوني الذي استند إليه الإنذار
استند الإنذار، بحسب نصه، إلى المادة 159 من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991م المعدل، المتعلقة بجريمة إشانة السمعة، وإلى المادة 25 من قانون مكافحة جرائم المعلوماتية لسنة 2018م المعدل، إضافة إلى القواعد العامة للمسؤولية الجنائية والمدنية والتعويض عن الضرر.
وتعرّف المادة 159 من القانون الجنائي جريمة إشانة السمعة، في أصل نصها، بأنها نشر أو رواية أو نقل وقائع مسندة إلى شخص معين أو تقويم لسلوكه بقصد الإضرار بسمعته. كما يتضمن النص حالات لا يعد فيها الفعل، بحسب ظروفه، مقصوداً به الإضرار بالسمعة، من بينها بعض صور الشكوى المشروعة والإجراءات القضائية والمصلحة المشروعة والنقد المتعلق بمنصب عام في الحدود التي يقتضيها الأمر.
وهذه النقطة مهمة في قراءة الإنذار؛ إذ إن المسألة القانونية لا تتعلق بمجرد وجود منشور أو انتقاد، وإنما تتوقف المسؤولية في كل واقعة على مضمون المادة المنشورة، وسياقها، والقصد منها، ومدى توافر عناصر الجريمة أو المسؤولية المدنية وفق القانون.
كما أن القضاء السوداني سبق أن نظر في قضايا تتعلق بإشانة السمعة والنشر الإلكتروني، بما في ذلك قضايا جرى فيها تطبيق نصوص جرائم المعلوماتية على محتويات منشورة إلكترونياً.
لماذا يكتسب استهداف القيادات الدينية أهمية خاصة في السودان؟
لا يمكن قراءة أي نزاع يتعلق بشيخ أو عالم دين أو قائد ديني في السودان بمعزل عن طبيعة الدور الذي ظلت تلعبه الشخصيات الدينية في المجتمع السوداني.
فالشيخ أو العالم أو الإمام لا يمثل، في كثير من الحالات، مجرد شخصية دينية، وإنما قد يكون صاحب تأثير اجتماعي واسع، وله امتداد داخل الأسرة والحي والطائفة والطرق الصوفية أو الجماعة الدينية أو المجتمع المحلي.
ولهذا فإن ضرب السمعة أو تشويه الصورة العامة لشخصية دينية يمكن أن يتجاوز أثره الشخص نفسه إلى شبكة اجتماعية أوسع مرتبطة به.
وفي ظروف الحرب، تزداد حساسية هذه المسألة بسبب الاستقطاب السياسي والعسكري والاجتماعي، حيث يمكن أن يتحول الموقف الديني أو الخطاب الديني إلى جزء من الصراع على الشرعية والتأثير والرأي العام.
الحرب جعلت رجال الدين والمؤسسات الدينية أكثر عرضة للخطر
تظهر التقارير الدولية خلال سنوات الحرب أن المؤسسات والشخصيات الدينية لم تكن بمنأى عن العنف.
فقد وثقت جهات دولية ومنظمات معنية بحرية الدين والمعتقد تعرض دور عبادة في السودان لهجمات وأضرار، إضافة إلى تقارير عن استهداف قيادات دينية واحتجاز أفراد من جماعات دينية وخلق بيئة من الخوف بالنسبة إلى بعض المجتمعات الدينية.
وفي عام 2024، وثقت تقارير هجمات على مساجد وكنائس في مناطق مختلفة من السودان، من بينها مسجد الشيخ الصديق في الخرطوم بحري ومسجد الشيخ الجيلي في ولاية الجزيرة، كما تحدثت تقارير عن هجمات على كنائس واستخدام بعض دور العبادة لأغراض عسكرية.
وفي أحدث مؤشرات خطورة الوضع، أعلنت منظمة CSW في أغسطس 2026 أن القس أديل إدريس جانغول، أحد قادة الكنيسة الأسقفية السودانية في جبال النوبة، قُتل بعد اعتقاله في يوليو، في واقعة قالت المنظمة إنها جاءت ضمن موجة عنف استهدفت قيادات دينية ومدنيين في المنطقة.
كما شهد يونيو 2026 مقتل كاهن كاثوليكي وحارسين لكنيسة في كاودا بجنوب كردفان، في حادثة ارتبطت – وفق التقارير المنشورة – بصراع قبلي محلي.
وهذه الوقائع لا تعني أن كل استهداف لشخصية دينية في السودان له الدافع نفسه؛ بل على العكس، تكشف أن دوافع الاستهداف يمكن أن تتداخل فيها الحرب، والسياسة، والانتماء القبلي أو الجهوي، والتنافس على النفوذ، والتطرف، والاستقطاب الديني، والصراع على الخطاب العام.
لماذا تتحول القيادات الدينية إلى أهداف في أوقات الصراع؟
هناك عدة عوامل تساعد على تفسير حساسية موقع القيادات الدينية في السودان.
أولاً: التأثير على الرأي العام
الشيخ أو العالم أو الإمام يمتلك في بعض البيئات قدرة كبيرة على التأثير في المواقف الاجتماعية. ولذلك قد تصبح مواقفه وتصريحاته محل اهتمام الأطراف المتصارعة.
وفي المجتمعات التي ترتفع فيها درجة الاستقطاب، فإن محاولة إسكات شخصية مؤثرة أو تشويه صورتها قد تكون وسيلة للتأثير في جمهورها.
ثانياً: الصراع على الشرعية
الحروب لا تُدار بالسلاح وحده؛ إذ تخوض الأطراف المتصارعة أيضاً معركة على الشرعية والصورة العامة.
ومن هنا تصبح الشخصيات التي تمتلك قبولاً مجتمعياً أو دينياً ذات قيمة رمزية، وقد يحاول طرف تقديمها باعتبارها مؤيدة له، بينما يسعى طرف آخر إلى نزع الشرعية عنها أو التشكيك في مواقفها.
ثالثاً: طبيعة المجتمع السوداني
تتمتع الطرق الصوفية والقيادات الدينية والتقليدية في السودان بتاريخ طويل من التأثير الاجتماعي والسياسي.
ولهذا فإن استهداف شخصية دينية يمكن أن ينعكس على جمهور أوسع، خصوصاً عندما يكون الشيخ مرتبطاً بمؤسسة دينية أو طريقة صوفية أو شبكة اجتماعية واسعة.
رابعاً: الاستقطاب الذي فرضته الحرب
أدت الحرب إلى تقسيمات حادة داخل المجتمع، وأصبح كثير من الخطاب العام يُقرأ من خلال سؤال: مع أي طرف أنت؟
وهذا الوضع يجعل الشخصية التي تحاول الاحتفاظ بموقف مستقل أو تنتقد طرفاً من الأطراف عرضة للتفسير السياسي لمواقفها، حتى لو كانت دوافعها دينية أو اجتماعية أو إنسانية.
خامساً: قوة وسائل التواصل الاجتماعي
أصبح الهاتف المحمول وسيلة إعلام شخصية في يد كل فرد تقريباً.
منشور واحد يمكن أن ينتقل خلال دقائق من حساب محدود إلى مجموعات وصفحات متعددة، ثم يتحول إلى مقطع فيديو أو صورة أو تسجيل صوتي، الأمر الذي يجعل الضرر المحتمل للسمعة أسرع وأوسع من النشر التقليدي.
وهنا تظهر أهمية الجزء الذي ركز عليه الإنذار محل هذا التقرير، والمتعلق ليس فقط بالناشر الأصلي، وإنما أيضاً بإعادة النشر والمشاركة والتداول.
إعادة النشر.. أين تبدأ المسؤولية؟
يضع الإنذار تحذيراً واضحاً لمن يعيد نشر المواد محل الاعتراض، لكنه في الوقت نفسه يستخدم صياغة قانونية أكثر تحفظاً حين يقرر أن المسؤولية تتحدد بالنسبة لكل شخص وفق دوره الفعلي ومدى توافر عناصر المسؤولية القانونية في جانبه.
وهذه الصياغة مهمة؛ لأن مجرد الضغط على زر «مشاركة» لا يعني تلقائياً، في كل حالة، ثبوت جريمة، وإنما يتطلب الأمر فحص طبيعة المحتوى ودور الشخص وسلوكه والعناصر القانونية اللازمة للمساءلة.
لكن الإنذار يريد – بصورة واضحة – أن يضع حداً لما تعتبره هيئة الدفاع استمراراً متعمداً في نشر المحتوى بعد العلم بالاعتراض القانوني عليه.
من التشهير إلى صناعة رواية عامة
المشكلة الأوسع التي يكشفها هذا النوع من النزاعات ليست فقط في منشور واحد، وإنما في إمكانية بناء رواية كاملة عن شخصية عامة من خلال سلسلة من المنشورات والتعليقات والمقاطع.
قد يبدأ الأمر بمنشور، ثم يأتي تعليق، ثم إعادة نشر، ثم مقطع مقتطع من سياقه، ثم صورة شاشة، ثم تسجيل صوتي، حتى يصبح المحتوى الأصلي جزءاً من رواية أكبر يصعب على الجمهور التمييز فيها بين الحقيقة والرأي والادعاء.
وفي هذه البيئة، تصبح السمعة الشخصية عرضة لما يمكن وصفه بـ«التراكم الرقمي»، حيث لا يكون الضرر ناتجاً بالضرورة عن مادة واحدة، وإنما عن تكرارها وتوسيع نطاق جمهورها.
حرية التعبير في مواجهة حماية السمعة
الجدل هنا لا ينبغي أن يتحول إلى معادلة تقول إن كل نقد إساءة أو أن كل اعتراض تشهير.
فالحق في التعبير والنقد وإبداء الرأي يظل جزءاً أساسياً من المجال العام، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخصية عامة.
لكن في المقابل، فإن حرية التعبير لا تعني – من حيث المبدأ – إعفاء كل شخص من المسؤولية عن الأفعال التي يشكلها القانون كجرائم أو اعتداءات على حقوق الغير.
ولهذا فإن السؤال القانوني الحقيقي في كل حالة هو:هل نحن أمام رأي ونقد مشروع؟ أم أمام واقعة منسوبة إلى شخص بقصد الإضرار بسمعته؟ وهل المحتوى قائم على معلومات قابلة للإثبات؟ وهل طريقة نشره وسياقه تجاوزا حدود النقد المشروع؟وهي أسئلة تترك في النهاية للجهات المختصة والمحاكم، وليس لمنصات التواصل الاجتماعي.
السودان أمام ظاهرة أوسع: تراجع مساحة الأمان المدني
تأتي قضية الإنذار أيضاً ضمن سياق أوسع من تراجع مساحة الأمان المدني في السودان.
فالأمم المتحدة وثقت خلال الحرب نمطاً واسعاً من الانتهاكات ضد المدنيين والمنشآت المدنية، وحذرت في فبراير 2025 من أن الإفلات من العقاب يغذي الانتهاكات الجسيمة، مشيرة إلى هجمات على مناطق مكتظة بالسكان ومرافق صحية ومدارس وأسواق ومخيمات للنازحين، إلى جانب عمليات قتل وانتهاكات أخرى.
كما سجلت بعثة تقصي الحقائق التابعة للاتحاد الأفريقي تقارير عن انتهاكات طالت ممارسة حرية الدين والمعتقد، بما في ذلك هجمات على أماكن العبادة، في الوقت الذي أدت فيه الحرب إلى تضييق المجال المدني بصورة كبيرة.
وفي مثل هذه البيئة، يصبح استهداف القيادات المجتمعية والدينية – سواء بالعنف المباشر أو بالترهيب أو بالتشهير الرقمي – جزءاً من مشكلة أكبر تتعلق بتراجع قدرة المجتمع على إنتاج أصوات مستقلة وموثوقة.
ما الغرض المحتمل من استهداف القيادات الدينية؟
لا توجد، بحسب المعلومات المتاحة بشأن الإنذار محل هذا التقرير، أدلة تسمح بالجزم بوجود جهة محددة تقف وراء المواد التي اعترض عليها الشيخ الزين محمد أحمد الزين أو بتحديد دوافع أصحابها.لكن من الناحية التحليلية، يمكن أن تحقق حملات استهداف السمعة عدة أغراض محتملة، بحسب الحالة:إضعاف التأثير الاجتماعي: عبر إقناع الجمهور بأن الشخصية الدينية لم تعد جديرة بالثقة.
إسكات الصوت المختلف: خصوصاً إذا كانت الشخصية تنتقد العنف أو تدعو إلى موقف لا يتفق مع أحد أطراف الصراع.
ضرب الرمزية: فاستهداف شخصية ذات مكانة اجتماعية قد يكون الهدف منه إضعاف المؤسسة أو الجماعة التي تمثلها.
التأثير السياسي: عندما يتحول رجل الدين إلى شخصية ذات تأثير على مواقف المواطنين.
إعادة تشكيل الرواية العامة: من خلال تكرار اتهام أو ادعاء حتى يصبح مألوفاً لدى الجمهور، بصرف النظر عن ثبوته من عدمه.
إثارة الانقسام الاجتماعي: عبر تحويل الخلافات السياسية أو العسكرية إلى خلافات دينية أو قبلية أو مناطقية.
غير أن تحديد أي من هذه الدوافع ينطبق على واقعة بعينها يحتاج إلى أدلة وتحقيق، ولا يمكن استنتاجه من مجرد وجود محتوى منشور على وسائل التواصل.
الإنذار.. رسالة قانونية ورسالة سياسية واجتماعية
وبعيداً عن الجانب القانوني البحت، يحمل الإنذار الذي أصدره وكلاء الشيخ الزين رسالة أوسع مفادها أن النزاعات التي تدور في الفضاء الإلكتروني يمكن أن تنتقل إلى ساحات القضاء.
فالنشر الإلكتروني لم يعد فعلاً عابراً بالضرورة؛ إذ يمكن حفظ المنشورات والتعليقات والصور والتسجيلات والروابط وتواريخ النشر وإعادة النشر، وهي نقطة أشار إليها الإنذار صراحة ضمن إجراءات حفظ الأدلة.
ومن هنا فإن الرسالة الأساسية التي يوجهها الإنذار ليست فقط إلى من نشر المحتوى ابتداءً، وإنما أيضاً إلى من يفكر في الاستمرار في تداوله بعد العلم بالاعتراض القانوني.
بين الرد القانوني والرد الإعلامي
في المجتمعات الخارجة من الحرب، تبرز الحاجة إلى الفصل بين النقد المشروع وحملات التشويه، وبين المساءلة القانونية والانتقام السياسي.
فالرد على الاتهام بالاتهام المضاد قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد، بينما يمكن للجوء إلى القضاء والجهات المختصة أن يوفر مساراً أكثر انضباطاً للتحقق من الوقائع وتحديد المسؤوليات.
وفي المقابل، فإن حماية السمعة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لمنع النقد المشروع أو حجب المعلومات التي تهم المجتمع.
المعادلة الأكثر أهمية هي أن النقد حق، لكن التشهير ليس حقاً؛ وحرية التعبير حماية للرأي، وليست حصانة مطلقة لنشر الوقائع غير المشروعة أو الاعتداء على حقوق الآخرين.
ما بعد الإنذار
يمثل إنذار الشيخ الزين محمد أحمد الزين، في حال الانتقال من مرحلة الإنذار إلى الإجراءات القضائية، اختباراً مهماً لكيفية تعامل القانون السوداني مع النزاعات المرتبطة بالنشر الرقمي وإعادة النشر والتداول الإلكتروني.
كما يسلط الضوء على قضية أكبر تتجاوز الشخص المعني، وهي مستقبل الخطاب العام في السودان في ظل الحرب، ومدى قدرة المجتمع على حماية الشخصيات الدينية والمجتمعية من حملات التشويه، وفي الوقت نفسه حماية حق المواطنين في النقد والسؤال والمساءلة.
وبينما يحتفظ الشيخ الزين، وفق الإنذار، بحقه في اتخاذ الإجراءات القانونية والمطالبة بالتعويض، تظل مسؤولية تحديد ما إذا كانت المواد المنشورة تشكل جريمة أو اعتداءً مدنياً من اختصاص الجهات القضائية المختصة، بعد فحص الأدلة والسياق وتوافر العناصر القانونية.
الخلاصة
إنذار الشيخ الزين محمد أحمد الزين لا يبدو، في جوهره، مجرد خلاف على منشور في وسائل التواصل الاجتماعي؛ بل يأتي في لحظة سودانية شديدة الحساسية، أصبحت فيها السمعة والمكانة الاجتماعية جزءاً من معركة أوسع على النفوذ والرواية والشرعية.
وبين استهداف القيادات الدينية بالعنف المباشر في مناطق النزاع، واستهدافها رقمياً عبر حملات الإساءة والتشهير، تبرز قضية واحدة: من يحمي أصحاب التأثير المجتمعي، ومن يضمن في الوقت نفسه ألا تتحول الحماية القانونية للسمعة إلى قيد على حرية التعبير؟
الإجابة لن تكون في وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما في احترام القانون، والتحقق من الوقائع، وإتاحة النقد المشروع، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته عبر الإجراءات القانونية، بعيداً عن التحريض والتشهير والتعميم.
ويبقى الإنذار الأخير الموجه من وكلاء الشيخ الزين رسالة واضحة بأن مرحلة التعامل مع المحتوى المسيء باعتباره مجرد «منشور عابر» قد انتهت بالنسبة لموكله، وأن أي استمرار في النشر أو إعادة النشر – وفق ما ورد في الإنذار – سيكون موضع تقييم قانوني مستقل، مع احتفاظه بكافة حقوقه.

