في حوار صحفي مع الآن نيوز.. المحامي د/ منجد الصادق يجيب على سؤال كيف تُغسل الأموال في السودان دون أن تُكتشف؟
الخرطوم | الآن نيوز

تعد جريمة غسل الأموال من أخطر الجرائم الاقتصادية التي تهدد استقرار الاقتصاد السوداني، حيث تؤدي إلى تراجع الثقة في النظام المصرفي وتشويه المنافسة بين الشركات. كما تسهم في اتساع الفوارق الاجتماعية وانتشار الفساد في السودان. وقد شهد السودان اهتمامًا متزايدًا بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، حيث تم إصدار قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لسنة 2014، وتشكيل اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وكان بنك السودان المركزي قد وجه المصارف إلى إجراء اختبارات ضغط ربعية لضمان امتثالها للمعايير الدولية والإقليمية في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وذلك في إطار تعزيز الرقابة المصرفية وضمان سلامة النظام المالي السوداني.
في هذا السياق، أجرت “الان نيوز” حوارًا مع د. منجد الصادق محمد الحسين، المحامي المتخصص في القانون الجنائي الاقتصادي، لاستجلاء أبعاد هذه الجريمة وآليات مكافحتها في السودان. د. منجد يلقي الضوء على الأسباب الكامنة وراء انتشار غسل الأموال في السودان، ويقدم رؤى قيمة حول الإجراءات القانونية والتنظيمية التي يمكن اتخاذها لمواجهة هذه الجريمة..
حوار مي علي ادم
د منجد الصادق في البدء ماهو تعريف جريمة غسل الاموال في القانون السوداني؟
جريمة غسل الأموال تعتبر من أكثر الظواهر الإجرامية تعقيداً في البيئة القانونية والاقتصادية المعاصرة، حيث تتجاوز كونها مجرد سلوك إجرامي مستقل يشكل حلقة وصل بين الجرائم الأصلية والنظام المالي المشروع، وهذا يؤدي إلى إدماج العوائد غير المشروعة في الدورة الاقتصادية الرسمية المشروعة، وهذا بدوره يقوض الثقة في الأسواق ويهدد سلامة البنية المالية.
بصورة عامة، يعرف غسل الأموال بأنه سلوك، سواء كان سلوكاً ايجابيا (فعل) أو سلبيا (امتناع)، ينطوي على تحويل أو نقل أو إخفاء أو تمويل حقيقة الأموال المتحصلة من نشاط إجرامي بقصد إطفاء صفة المشروعية عليها مع العلم بمصدرها غير المشروع. هذا هو التعريف المتعارف عليه لجريمة غسل الأموال، وهذا المفهوم كُرس في نصوص دولية رائدة على رأسها اتفاقية فيينا 1988، والتي نصت على تجريم تحويل ونقل الممتلكات مع العلم بأنها متحصلات من جرائم المخدرات.
القانون السوداني عرف جريمة غسل الأموال بأن يعد مرتكب جريمة غسل الأموال كل شخص يعلم أو يكون لديه العلم أو لديه ما يحمله على اعتقاد بأن أموالاً هي متحصلات. ثم القانون عرف المتحصلات. ويمكن تلخيص هذا التعريف للجريمة في التعامل في أموال بقصد إخفاء أصلها غير المشروع وإدماجها في الدورة الاقتصادية المشروعة، بغض النظر عن نوع هذا التصرف سواء كان إخفاء أو نقل أو تمويل بأي طريقة كانت.
من ناحية اقتصادية، غسل الأموال هي عملية تهدف إلى إعادة تدوير العائدات غير المشروعة عبر النظام الاقتصادي الرسمي من خلال سلسلة من العمليات (إيداع، تمويل، إدماج)، مما يجعل من الصعب تتبع مصدرها الحقيقي. والاقتصاد ينظر إلى هذه العملية كتشويه للآلية الاقتصادية، وهذا يؤدي إلى ضخ أموال لا تستند إلى سبب حقيقي.
وأضرار جريمة غسل الأموال كبيرة جداً ومتعددة ومتشعبة، فهي من ناحية تضعف سيادة القانون من خلال استفادة الجناة من عائدات جرائمهم، وهذا يشجع على استمرار الأنشطة الإجرامية الأصلية كالاتجار بالمخدرات والفساد والتهريب والرقيق الأبيض. وكل هذه الجرائم من ناحية اقتصادية تؤدي إلى زعزعة استقرار النظام المالي وتهديد سمعة المؤسسات المصرفية وتعريض الدول لمخاطر الإدراج في القوائم الدولية السوداء، وهذا يحدث سلباً على الاستثمار الأجنبي والتصنيف الائتماني.
*ما هي القوانين واللوائح المتعلقة بمكافحة غسل الأموال في السودان ؟
في السودان يمتاز الإطار القانوني لمكافحة جرائم غسل الأموال بطبيعة مركبة، فهو لا يقوم على تشريع واحد فقط، بل على منظومة متكاملة من القوانين الأساسية واللوائح التنظيمية والتعليمات الرقابية، وهذا يعكس إدراك المشرع للطبيعة المعقدة لهذه الجريمة وارتباطها بالقطاع المالي والجنائي في آن واحد. هذا الإطار التشريعي يعد حجر الزاوية في مجال مكافحة غسل الأموال. أولاً، القانون الأساسي في هذا المجال هو قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب 2014 بتعديلاته اللاحقة، وهذا يمثل الأساس القانوني النافذ حالياً. ومن أهم سمات هذا القانون أنه وضع تعريفاً شاملاً للأموال والأفعال المكونة للجريمة، وجرم أفعال غسل الأموال وتمويل الإرهاب بصورة مستقلة، وحدد التزامات المؤسسات المالية وغير المالية خاصة في مجال العناية الواجبة والإبلاغ عن العمليات المشبوهة، وكذلك أنشأ هياكل مؤسسية: وحدة اللجنة الوطنية ووحدة المعلومات المالية. وهذا التشريع لم يقف عند هذا الحد، بل يتكامل مع قوانين أخرى أبرزها القانون الجنائي لسنة 1991 وتعديلاته، وقد جرّم القانون الجنائي الجرائم الأصلية التي تعتبر مصادر للأموال غير المشروعة، وكذلك قانون مكافحة الإرهاب وقانون مكافحة الاتجار بالبشر، وكل القوانين التي تمنع الجرائم وتحد من الجرائم التي تشكل منابع الأموال محل جريمة غسل الأموال.
ثم ياتي في المرحلة الثانية اللوائح والضوابط التنظيمية، وهذه تمثل الإطار الرقابي، وهي معظمها صادرة عن البنك المركزي، ويمثل دوراً محورياً في التطبيق العملي. ومن أهمها المنشور 4/2014، وهذا يتحدث عن الضوابط التنظيمية، وقد وضع قواعد تفصيلية لإلزام المؤسسات المالية للتحقق من هوية العملاء والمراقبة المالية والإبلاغ عن العمليات المشبوهة وإنشاء نظم داخلية. ثم تلاحقت المنشورات الصادرة من البنك المركزي كلما استجد أمر، سواء كانت منشورات توجيه تلزم الشركات والمصارف وشركات التمويل الأصغر باتباع إجراءات دقيقة لرقابة المالية. الإطار المؤسسي والتنفيذي: هذه هي المسألة الثالثة. أنشأ النظام القانوني في السودان عدة أجهزة متخصصة، أهمها اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهذه أنشئت بموجب قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهذه تتولى وضع السياسات العامة والتنسيق بين الجهات، وكذلك وحدة المعلومات المالية، وهي متخصصة بتلقي البلاغات وتحويلها للنيابة، وكذلك أنشئت لجان فنية متعددة تتعلق بتجميد الأموال ومتابعتها. كل هذه المنظومة القانونية تعمل مع بعضها البعض، وتكون فيما بينها إطاراً قانونياً وعملياً لمكافحة هذه الجريمة والحد منها.
*كيف يتم غسل الأموال وما هي المراحل التي يمر بها؟
دائماً ما يثير تحليل كيفية ارتكاب جريمة غسل الأموال إشكالية دقيقة من زاويتين: الأولى وصفية تحليلية تقتضي فهم البنية الفنية للجريمة، والثانية وقائية تتعلق بكيفية اكتشاف هذه الجريمة ومواجهتها. ومن ثم، فإن تناول هذا الموضوع من إطار علمي رصين يرتكز على آلية التشغيل الإجرامي من حيث بنيتها المجردة، دون الانزلاق إلى تقديم نماذج إرشادية، هو المدخل الأكثر دقة في هذا الإطار. في البناء التحليلي المستقر في الفقه الدولي، كما كرسته أدبيات مجموعة العمل المالي، تمر عمليات غسل الأموال بثلاث مراحل رئيسية ومتتالية تمثل في مجموعة دورة تحويل المال غير المشروع إلى مال يبدو مشروعاً، وهي عملية تبييض أو الغسل.
المرحلة الأولى هي مرحلة الإيداع، وهي تمثل المرحلة الأولى، وهي نقطة دخول للأموال غير المشروعة إلى النظام المالي، وهي من أخطر المراحل من حيث قابليتها للاكتشاف، لأن الأموال في هذه المرحلة لا تزال تحتفظ بطبيعتها النقدية أو الخام، وغالباً ما تكون مرتبطة مباشرة بالجريمة الأصلية، سواء كانت هذه الجريمة جريمة اتجار بالبشر أو تجارة سلاح غير مشروع أو تجارة مخدرات، أياً كان نوع هذه الجريمة. هذه المرحلة تتخذ عدة صور، مثل إدخال الأموال في نظام مصرفي عبر إيداعها مجزأة أو استخدامها في شراء أصول سهلة التداول. ومن الأمثلة الواقعية التي رصدت في تقرير الجسار المصرفي لجوء بعض الشبكات إلى توزيع مبالغ نقدية كبيرة على عدة أشخاص، مثلاً، لإيداعها في حسابات مختلفة تفادياً لحدود الإلزام (البلاغ الإلزامي) الذي تشترطه النظم المصرفية. كما تستخدم أنشطة تبدو مشروعة ظاهرياً في التجارة العامة لإدخال الأموال في شكل إيرادات نقدية مختلطة. من الناحية القانونية، هذه المرحلة تعد قرينة قوية على العلم بالمصدر غير المشروع، إذ يكون الارتباط بين المال والجريمة الأصلية لا يزال قائماً بصورة مباشرة في هذه المرحلة.
أما المرحلة الثانية فهي مرحلة التمويه والتغطية، وهذه المرحلة هي أكثر المراحل تعقيداً من الناحية الفنية. دائماً يسعى المجرم إلى قطع الصلة بين المال ومصدره، وهذا هو عين جريمة غسل الأموال، وذلك عبر سلسلة من العمليات المالية المتشابكة. وهذا يتجلى عملياً في إجراء تحويلات متكررة بين حسابات متعددة، غالباً عبر حدود دولية، أو استخدام شركات صورية لإجراء معاملات تجارية وهمية، كما قد يتم اللجوء إلى أدوات مالية معقدة أو استثمارات متعددة بغرض إخفاء الأثر المالي الأصلي. في التطبيق الواقعي، كشفت العديد من القضايا الدولية استخدام شبكات غسيل الأموال لنظم مصرفية في دول مختلفة ذات مستويات رقابية متفاوتة، حيث يتم نقل الأموال عبر عدة ولايات قضائية في وقت قصير (يقصد بالولايات القضائية اختصاص قضائي منفصل)، مما يجعل تتبعها يتطلب تعاوناً دولياً معقداً. ومن الأمثلة المعروفة استخدام شركات واجهة لإبرام عقود استيراد أو تصدير صورية بأسعار مضخمة، حيث يتم تمرير هذه الأموال تحت غطاء تلك المعاملات التجارية الصورية. وهنا تظهر الأهمية الحاسمة للرقابة المصرفية وأنظمة “اعرف عميلك”، إذ إن هذه المرحلة تستهدف إرباك أنظمة التتبع.
المرحلة الثالثة هي مرحلة الإدماج، وهي المرحلة التي تعود فيها الأموال من المرحلة الثانية إلى الاقتصاد الرسمي المشروع بعد أن تم تبييضها وتنظيفها ظاهرياً، حيث تبدو كأنها عائدات مشروعة لنشاط اقتصادي قانوني. وهذه المرحلة تتخذ صوراً متعددة، مثل الاستثمار في العقارات والمشاريع التجارية والأدوات المالية. في هذه المرحلة، يصعب اكتشاف الطبيعة غير المشروعة للأموال أكثر صعوبة، لأنها قد انفكت عن الجريمة الأصلية إلى حد كبير. من الأمثلة التطبيقية قيام بعض الشركات بشراء أصول ذات قيمة عالية كالعقارات الفاخرة، ثم إعادة بيعها وتشغيلها، بحيث تتحول الأموال غير المشروعة إلى أرباح تبدو نظامية. كما قد يتحول هذا المال إلى مشاريع استثمارية حقيقية، ما يخلق تداخلاً بين المال المشروع والمال غير المشروع.
وإذا حاولنا نتجاوز الوصف التقليدي، يتبين أن هذه المراحل الثلاثة لا تمارس دائماً بشكل خطي، لأنها قد تتداخل أو تتكرر أو تختصر حسب طبيعة النظام المالي المفروضة من ذلك النظام. فنجد في بعض البيئات ذات الرقابة الضعيفة قد تتجاوز مرحلة التمويه جزئياً، بينما الأنظمة الصارمة قد تعارض هذه الأنظمة بشكل كبير. كما أن تطور التكنولوجيا أدى إلى إعادة تشكيل هذه المراحل، حيث أوضحت الأصول الرقمية والتحويلات الإلكترونية أنها تستخدم لتسريع عمليات التمويه، مما دفع الهيئات الدولية إلى تطوير معايير جديدة لمكافحة غسل الأموال، خاصة في هذه المرحلة.
_*ما هي الإجراءات القانونية التي يجب اتباعها لمكافحة غسيل الأموال؟_
إن عملية مكافحة جريمة غسل الأموال لا يمكن اختزالها في مجرد تجريم تشريعي، ولكن هذه المكافحة تقوم على منظومة إجرائية متكاملة تتداخل فيها آليات الوقاية الرقابية والتحقيق والتقصي والقضاء، وفي إطار ما يعرف ذلك بالامتثال القانوني الشامل، وهذا كرسته مجموعة العمل المالي في التحليل العميق. يمكن تنفيذ هذه الإجراءات الوقائية التي تحول دون ارتكاب هذه الجريمة بمستويات مترابطة تكشف عن فلسفة قانونية تقوم على المنع قبل العقاب، والتتبع قبل المصادرة.
أول الإجراءات التي نتحدث عنها هي إجراءات العناية الواجبة، وهذا يمثل البعد الوقائي الأولي، وهو يعد حجر الأساس في النظام القانوني لمكافحة غسل الأموال، وهذا يستهدف منع دخول أموال غير مشروعة إلى النظام المالي ابتداءً. وتتمثل هذه الإجراءات في أولاً التحقق من هوية العملاء لتحديد المستفيد الحقيقي من المعاملة أو المال، كذلك من خلال هذا النظام يتم فهم النشاط الاقتصادي للعميل المصرفي أو عميل المؤسسة المالية أو عميل الشركة ومصدر أمواله، كذلك تصنيف العملاء وفقاً لدرجات المخاطر، وهذا يتم تحديده في نظام (اعرف عميلك)، ويتجاوز هذه الإجراءات الطابع الشكلي وأصبحت إلزاماً قانونياً يلزم به البنك المركزي كل البنوك العاملة في السودان، ويترتب عليها الإخلال بالنظام مسؤولية كاملة على المؤسسة المالية، وهو يعكس الانتقال العبء جزئياً من الدولة للقطاع الخاص لمكافحة هذه الجريمة.
ثانياً، المراقبة المستمرة والإبلاغ عن العمليات المشبوهة، وهو لا يقتصر على عمليات المكافحة في مرحلة فتح الحسابات، بل يمتد إلى متابعة العمليات المالية بشكل مستمر لرصد أي سلوك غير اعتيادي، وتشمل تحليل أنماط المعاملات المالية ورصد العمليات المالية الكبيرة أو غير المتناسقة مع نشاط العميل، وهذه مربوطة بنظام اعرف عميلك والالتزام بالإبلاغ عن العمليات المشبوهة إلى وحدة المعلومات المالية وفقاً لقانون مكافحة غسل الأموال. وهنا يظهر البعد الإجرائي الحاسم، ويعد الإبلاغ إلزاماً قانونياً وليس خياراً تقديرياً، وعقب ذلك فإن قانون مكافحة غسل الأموال يعفي المبلغ من المسؤولية عن الإفصاح طالما كان حسن النية، حتى لو كان المعلومة هو ملزم بعدم الإفصاح وأفصح عنها، فإن القانون يحميه ما دام كان حسن النية والغرض كان كشف هذه العملية الإجرامية.
ثالثاً، يتم تجميد الأموال وتتبعها عند الاشتباه الجدي، وذلك وفقاً لنص القانون، وهو انتقال الإجراءات من الطابع الوقائي إلى التدخل الفوري من خلال تجميد الحسابات أو الأموال محل الاشتباه، وهذه نص عليها القانون وحدد كيفية التجميد ومتى يتدخل النائب العام ومتى يتدخل القضاء، وقام بتنظيمها بطريقة واضحة، ومنع التصرف في هذه الأموال مؤقتاً وتتبع حركة الأموال داخلياً وعبر الحدود، وهذه الإجراءات تمثل تدخلاً في حق الملكية، ولكنها تبرر قانوناً بكونها تدابير احترازية تهدف إلى منع تهريب العائدات غير المشروعة، وهذه تمارس تحت رقابة قضائية ورقابة قانونية صارمة.
رابعاً، التحقيق المالي المتخصص، وهذا يتميز بالتحقيق في جرائم غسل الأموال بطريقة فنية معقدة، وهو لا يقتصر على الأدلة التقليدية، بل يشمل تحليل التدفقات المالية والربط بين الجريمة الأصلية والعائدات المالية والاستعانة بخبراء ماليين ومحاسبين وجنائيين، وفي هذا الضوء يلاحظ أن التحقيق المالي يسير موازياً للتحقيق الجنائي، بل قد يسبقه في بعض الأحيان، وهو ما يعكس تطور السياسة الجنائية الحديثة، وهذا منصوص عليه في القانون في تكوين اللجنة الوطنية، وهي تتكون من مجموعة من الخبراء ومجموعة من الجهات المختصة: وزارة العدل، وزارة المالية، البنك المركزي، والشرطة، والمباحث الجنائية، وشركات الرقابة على التأمين، وهي جهات متخصصة في إجراء التحليل والتدقيق المالي لمعرفة هذه الجريمة واكتشافها.
خامساً، وهي عملية المصادرة، وهذا هو الهدف النهائي، وتتمثل المصادرة في الغاية الجوهرية في مكافحة الجريمة، وتهدف إلى حرمان الجاني من عائدات الجريمة وتفكيك الحافز الاقتصادي للسلوك الإجرامي، وهذه هي خلاصة العمل المتكامل. هذا وتطورت النظم القانونية لتشمل صوراً متعددة من المصادرة: مصادرة مباشرة وغير مباشرة، بل المصادرة دون إدانة في بعض الأنظمة، وهذا يعكس أولوية استرداد الأموال على مجرد العقاب، وهي تقديم مسألة استرداد غسل الأموال على مجرد العقاب ونظام العقاب نفسه، فإن القانون نص على عقوبات على من يرتكب الجريمة، وهذه معالجة قانونية رادعة، والقانون وضع عقوبات بالسجن، وهي عقوبة مصادرة الحرية لفترة طويلة.
أخيراً، في المكافحة يأتي دور التعاون الدولي مهم جداً، لأن جرائم غسل الأموال عابرة للحدود غالباً، ويتجلى التعاون هنا في تبادل المعلومات بين الوحدات المالية والنيابات القضائية الدولية وتنفيذ قرار التجميد والمصادرات الأجنبية، وهذا أكدته الاتفاقية الدولية 2000م، وهي أرست مبدأ التعاون القضائي فيما يختص بهذه الجريمة، كذلك من المسائل مكافحة الرقابة المؤسسية والامتثال الداخلي، حيث تلزم المؤسسات المالية بإنشاء نظم داخلية فعالة، وهو تعيين مسؤول الجسار، وهذا شرط موجود في المصارف في النظام المصرفي، ووضع سياسات مكتوبة لمكافحة غسل الأموال، تدريب الموظفين بشكل دوري، وإجراءات تدقيق داخلي مستقل، وهذا يعكس تحول المؤسسات المالية إلى خط دفاع أول في مواجهة هذه الجريمة.
من خلال كل هذه الإجراءات، يتضح أن الإجراءات القانونية لمكافحة جريمة غسل الأموال تقوم على تدرج منطقي يبدأ من الوقاية، ثم الكشف، ثم التدخل، ثم العقاب أو استرداد الأموال، وهذا التدرج لا يعكس فقط تسلسل الإجراءات، ولكن يجسد فلسفة قانونية حديثة ترى أن جوهر المواجهة يكون في تجفيف منابع المال غير المشروع، وليس مجرد ملاحقة نتائجه.
*ما هو دور الشركات والمؤسسات المالية في مكافحة غسل الأموال؟
الشركات مسؤولة عن مكافحة هذه الجريمة، وهذا السؤال يثير مسألة محورية في السياسة الجنائية الحديثة، حيث لم تعد مكافحة غسل الأموال وظيفة حصرية للدولة، بل تحولت الشركات، وخاصة المؤسسات المالية، إلى فاعل رئيسي في منظومة المكافحة. بحيث يمكن القول إن المشرع المعاصر قد خصص جانبًا كبيرًا ومهما من الوظيفة الوقائية وألقى بها على عاتق القطاع الخاص تحت رقابة الدولة. من الناحية القانونية، تعد الشركات أشخاصًا ملزمين وفقًا للمعايير الدولية التي أرستها مجموعة العمل المالي، وكذلك بموجب التشريعات الوطنية، ومنها القانون السوداني، قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. ولا يختصر الأمر على البنوك، ولكنه يمتد إلى شركات الصرافة وشركات التأمين والمؤسسات غير المصرفية، بل وحتى بعض المهن غير المالية مثل المحامين والحاسبين وتجار العقارات والمعادن الثمينة وغيرها من الجهات. وفي التحليل القانوني الدقيق، تتخذ مسؤولية الشركات بعدين متلازمين: الأول وقائي تنظيمي، والثاني جزائي عند الإخلال. البعد الأول، المسؤولية الوقائية، حيث تفرض على الشركات مجموعة من الالتزامات القانونية الدقيقة، تمثل في حقيقتها نظامًا قانونيًا متكاملًا بالامتثال الداخلي. يمكن تفكيكها إلى أولًا، تلزم الشركات بتطبيق بإجراءات “اعرف عميلك”، وهي لا تختصر على التحقق من هوية العميل، بل تمتد إلى تحديد المستفيد الحقيقي، وهو ما يكشف عن البعد العميق للمشرع في استهداف الهياكل القانونية الصورية التي تستخدم كغطاء لغسل الأموال. بعد ذلك، تنتقل المسؤولية إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، تتمثل في المراقبة المستمرة للعمليات، حيث يتوجب على الشركة تحديد أنماط التعامل المالي واكتشاف أي انحراف عن السلوك الطبيعي للعميل. وهذا التزام ليس شكليًا، بل يتطلب بينة تقنية وتحليلية متقدمة. كما تلزم الشركات بالإبلاغ، وفقًا للقانون، عن العمليات المشبوهة إلى وحدة المعلومات المالية، وهو التزام قانوني جوهري، بحيث يشكل الإخلال به جريمة مستقلة في كثير من الأنظمة القانونية. يضاف إلى ذلك التزام الاحتفاظ بالسجلات وتدريب العاملين وتعيين مسؤول الامتثال ووضع سياسات داخلية مكتوبة، مما يحول الشركة إلى وحدة رقابية داخلية تعمل بالتوازن مع أجهزة الدولة. والبعد الثاني هو البعد العقابي، لم تقف مسؤولية الشركة عند الالتزام، بل تبدأ بالمسألة عند الإخلال، وتتنوع المسؤولية بين مسؤولية إدارية، ويمكن أن تكون فيها غرامات أو سحب رخصة وفرض قيود رقابية، وقد تكون مسؤولية مدنية يتوجب عليها التعويض، وقد تكون في مسؤولية جنائية في بعض الحالات إذا ثبت فيها التواطؤ أو العلم بأن تكون هذه الشركة جزءًا من منظومة جريمة غسل الأموال. وفي هذا السياق، تتجه الأنظمة الحديثة في إقرار المسؤولية الجنائية للشخص الاعتباري، بحيث يمكن مساءلة الشركة ذاتها، لا فقط موظفيها، وهو ما يعكس تطورًا مهما في الفقه الجنائي، وهو ما عالجه قانون مكافحة غسل الأموال بصورة مميزة. كيف تمارس هذه الشركات هذا الدور عمليًا في التطبيق الواقعي؟ يتم من خلال نظام الاتصال الآمن بين البنوك، وهذا يقوم على اعتماد منهج قائم على المخاطر، بحيث تخصص الموارد الرقابية للعملاء والأنشطة على خطورة استخدام أنظمة تقنية لرصد الأموال والعمليات غير الاعتيادية، إجراء تدقيقات داخلية وخارجية دورية، إنشاء قنوات اتصال فعالة مع الجهات الرقابية ووحدات المعاملات المالية. وهذا أظهر في التجارب العملية فاعلية هذه الأنظمة، وأنها تتوقف على ثقافة الامتثال داخل المؤسسة نفسها، وليس فقط على وجود لوائح مكتوبة أو مسائل مدرجة في عقود العمل. وهذا يكشف لنا هذه المنظومة والإجراءات الملقاة على عاتق الشركات، وتكشف عن تحول عميق في فلسفة القانون الجنائي الاقتصادي حيث لم يعد التركيز على معاقبة الجاني بعد وقوع الجريمة، ولكن هذا يمتد لمنع وقوعها من خلال تحميل دور الشركات الحارس الأول في النظام المالي. غير أن هذا التحول يثير إشكالات دقيقة تتعلق بمدى التوازن بين تحميل الشركات أعباء رقابية ثقيلة وبين الحفاظ على حرية النشاط الاقتصادي وعدم تحويلها إلى أجهزة تحقيق موازية للدولة. ومن ثم، فإن نجاح هذا النموذج يتوقف على تحقيق توازن دقيق بين الفعالية الرقابية وبين الضمانات القانونية، وهو يظل التحدي الحقيقي أمام التشريعات الحديثة، خاصة في الدول التي تعاني من اقتصاد غير رسمي واسع وتعقيدات تنظيمية عميقة.
_كيف يتم التحقيق في جرائم غسل الأموال؟_
التحقيق في جرائم غسل الأموال يعد من أكثر الجرائم تعقيدًا في القانون الجنائي الاقتصادي، لأنه يجمع بين بعدين متلازمين: البعد المالي التحليلي والبعد القانوني الإجرائي. وهذا يستلزم فهمه دقة منهجية عالية، لأن هذه الجرائم غالبًا ما تتميز بطبيعة خفية معقدة وبسلاسل معاملات مالية متعددة، وقد تكون دولية، وهو الغالب، وهو ما يجعل التتبع القانوني والمالي عملية غاية في الدقة.
أولًا، يبدأ بالآلية المالية، وهو التحليل المالي الجنائي. وهذا الجانب من التحقيق يركز على تفكيك التدفقات المالية المشتبه فيها وربطها بالجريمة الأصلية، ويمارس هذا من خلال ما يعرف بالمحاسبة الجنائية. ويشمل التحليل البنيوي عدة مراحل متداخلة: أولًا، تحليل الأموال المشبوهة، يتم تحليل البينات المصرفية والعقارية والتجارية وأي أصول ذات قيمة، والبحث عن معاملات غير مناسبة أو متناسبة مع النشاط الاقتصادي للعميل أو المؤسسة، مثل إدخال مبالغ نقدية كبيرة عبر عدة حسابات أو عقود استيراد أو تصدير صورية بأسعار مضخمة.
ثانيًا، تتبع التدفقات المالية، وهو متابعة مسار الأموال داخل النظام المالي وخارجه، بما في ذلك الحدود الدولية، واستخدام تقنيات التحليل المالي لكشف الحلقات المخفية بين الشركات الصورية والحسابات. مثال ذلك اكتشاف تحويلات متكررة بين حسابات شركات واجهة في دول مختلفة بهدف تمويه المصدر.
عقب ذلك، تحليل الأنماط المالية، وهي مقارنة سلوك العميل مع المعايير المتعارف عليها في القطاع المالي وكشف المعاملات المتكررة والغريبة عن الأنشطة المعتادة. وبعد ذلك، في الجزء المالي، الربط بين الجريمة الأصلية والمال، وهذا يتم بتحديد العلاقة بين الأموال والجريمة الأصلية، وهو ما يعزز الدعوى الجنائية ويؤكد الأموال المغسولة. مثال الربط بين أرباح تجارة المخدرات أو تهريب المعادن الثمينة وحسابات مصرفية استثمارات شرعية.
والآلية القانونية، طبعًا القانون الواجب التطبيق في هذه المسألة هو قانون الإجراءات الجنائية فيما يتعلق بكافة الإجراءات المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية، مع تقديم الإجراءات الواردة في قانون مكافحة غسل الأموال ومكافحة الإرهاب باعتباره قانونًا خاصًا. لكن من ناحية عامة، هو فتح تحقيق جنائي رسمي بناءً على بلاغ وحدة المعلومات المالية أو الشكاوى الرسمية، وإصدار أوامر التفتيش والمصادرة الاحترازية، والاستعانة بالشهادات المالية والعقود وسجلات الحسابات المصرفية، واستخدام خبراء محاسبة جنائية لإعداد تقارير مالية دقيقة، ويمكن تقديمها في المحكمة، وتجميد الأصول بناء على أوامر قضائية أو أمر من النيابة أو الجهات المختصة لمنع التصرف في الأموال المشبوهة، والتجميد قد يكون محليًا أو خارجيًا إذا ثبت أن الأموال عابرة للحدود.
بالإضافة إلى الإجراءات القانونية المتعلقة بالاستجواب والمواجهات، سواء بين الموظفين والعملاء المتورطين في المسألة، والتحقيق في دور الشركات الوسيطة والمستفيدة. وبعد ذلك، التنسيق الدولي بين المؤسسات الدولية إذا كانت الجريمة عابرة للحدود، واستخدام الاتفاقيات الدولية والإقليمية والنيابات القضائية للتتبع ومصادرة الأموال العابرة للحدود.
ثالثًا، لابد من وجود التكامل بين الآلية المالية والقانونية والفاعلية الحقيقية للتحقيق يعتمد على تكامل التحليل المالي مع الإجراءات القانونية، بمعنى آخر، التحليل المالي يكشف عن شبكة الأموال ويحدد مساراتها، والإطار القانوني يتيح اتخاذ التدابير الوقائية مثل التجميد، ويسمح بتحريك الدعوى الجنائية ومصادرة الأموال. وهذا التكامل يظهر في مراحل التحقيق العملية لوحدة المعلومات المالية المنشأ بموجب القانون، والتي تحدد المعاملات المشبوهة، وأجهزة التحقيق الرسمي تتوالى التحقيق في العلاقة بين الجريمة الأصلية والمال، والمحاكم تتولى التعامل مع الأدلة المالية كجزء أساسي من القضية، وتقارير المحاسبة الجنائية. من منظور فلسفي وعملي، يكشف التحقيق في غسل الأموال أن جوهر الجريمة ليس إخفاء الأموال، بل إعادة بناء الشرعية المالية بطريقة مصطنعة، ومن ثم إن التحقيق يرتكز على كشف هذه الشرعية الزائفة وفك الشبكة المالية المعقدة، وهو ما يجعل التعاون بين الجهات المالية والقضائية أساسًا لمكافحة هذه الجريمة وكشفها. بعبارة أخرى، فعالية التحقيق تعتمد على ثلاث عناصر مترابطة: كشف مصدر الأموال، وتتبع مساراتها بدقة عبر النظام المالي، استخدام الأدلة المالية والقانونية، وتحويل التحليل المالي إلى حكم قضائي ملموس في نهاية المطاف.

