تقارير وحوارات

عندما تصبح الخوارزمية شرطي مرور: السودان يطلق العين الثالثة في الشارع

الخرطوم | الآن نيوز

تقرير: مي علي آدم ـــــ لم يعد نزيف الأسفلت قدراً محتوماً على طرق السودان. في قاعة المؤتمرات بأكاديمية الشرطة العليا بالخرطوم، اجتمع العقل الأمني بالعقل الأكاديمي تحت سقف واحد، بحثاً عن مخرج تقني لأزمة حوادث المرور التي تحصد الأرواح وتستنزف الاقتصاد. الورشة التي حملت عنوان “استخدام الذكاء الاصطناعي للحد من حوادث المرور في السودان – الفرص والتحديات”، وتزامنت مع ختام فعاليات أسبوع المرور العربي الذي جاء هذا العام تحت شعار _”تمهل.. نحن في انتظارك”_، أعلنت بداية التحول من الاعتماد على العين البشرية إلى الاعتماد على العين الإلكترونية، في بلد يخوض معركة التعافي وإعادة الإعمار.

 

*المرور: سلامة المواطن أمانة في أعناقنا*

 

من على منصة الورشة، وضع اللواء شرطة أيوب عبد الرحيم، مدير دائرة مرور ولاية الخرطوم، يده على جوهر الأزمة. قال إن إدارة المرور تتحمل عبئاً مضاعفاً: سلامة مرورية مهددة، اختناقات خانقة، وسلوكيات خاطئة لبعض السائقين، وكل ذلك في ظل منظومة تعتمد بشكل شبه كامل على الكادر البشري.

 

وأضاف عبد الرحيم أن الورشة تنعقد خصيصاً لـ”ملاحقة التطور التقني” الذي سبقنا، معتبراً أن الذكاء الاصطناعي والكاميرات الذكية ليسا رفاهية بل “سلاح تقني” لا غنى عنه لتقليل التحديات. وختم كلمته برسالة حاسمة: “كل حادث نفقد به روحاً.. وسلامة المواطن أمانة في أعناقنا”.

 

*الورقة الأولى: الذكاء الاصطناعي يفكك اختناقات الطريق*

 

افتتح د. حذيفة آدم عبد الشافع من جامعة كرري أوراق الورشة بورقته _”استخدام الذكاء الاصطناعي للحد من حوادث المرور في الطرق”_، واضعاً الإصبع على معضلة يومية تنهك السودانيين: الازدحام المروري الذي يبتلع الوقت ويستنزف الوقود ويضاعف احتمالات الحوادث. وأكد د. حذيفة أن الحل لم يعد نظرياً، مستشهداً بتجارب دول متقدمة وظّفت الذكاء الاصطناعي بنجاح لفك الاختناقات وخفض نسب الحوادث، وعلى رأسها الصين وبلجيكا وبريطانيا. ولم تغب التجارب العربية عن المشهد، حيث أشار إلى أن المملكة العربية السعودية حققت نتائج ملموسة في إدارة الحركة المرورية وتقليل زمن الرحلات عبر أنظمة ذكية للرصد والتحكم. وخلص إلى أن السودان قادر على اللحاق بهذا الركب التقني متى ما توفرت الإرادة والبيانات، فالازدحام ليس قدراً والدليل تجارب الآخرين.

 

*الورقة الثانية: الحل التقني لا يحتاج بنية ضخمة*

 

قدم د. قيس الهادي بابكر، عميد كلية العلوم الرياضية والحاسوب بجامعة الجزيرة، مقاربة علمية لواقع الأزمة عبر ورقته “تطبيقات الذكاء الاصطناعي في رصد الحوادث المرورية وتعزيز السلامة على الطرق”.

 

وأكد د. قيس أن مشروعه يقوم على دراسة تطبيقية تواكب مرحلة التعافي التي يمر بها السودان، حيث تواجه البلاد تحدياً مزدوجاً: إعادة بناء منظومة نقل متهالكة، وضمان سلامة المواطنين على طرق تفتقر لأبسط مقومات الأمان.

 

وشخص د. قيس أسباب اللجوء للذكاء الاصطناعي بثلاثة عوامل ضاغطة: النقص الحاد في أفراد شرطة المرور، التعطل شبه الكامل للإشارات الضوئية، والحاجة لحلول لا تطلب بنية تحتية ضخمة أو ميزانيات باهظة. وقال إن التقنية قادرة على تعويض النقص البشري والتقني “بفعالية”، لافتاً إلى أن “إعمار السودان والجسور والمباني يبدأ بحماية الإنسان أولاً”.

 

*الورقة الثالثة: الرؤية الحاسوبية عين إلكترونية تنقذ الأرواح*

 

وطرحت الورقة _”استخدام الرؤية الحاسوبية لتعزيز الاستجابة الطارئة ودعم اتخاذ القرار في أنظمة المرور”_، التي قدمتها د. مها عبيد محمد زيادة من كلية الهندسة والتكنولوجيا بجامعة الجزيرة، تشخيصاً دقيقاً لعلل أنظمة المرور الحالية. وأوضحت أن المشكلة تكمن في تأخر اكتشاف الحوادث، وبطء الاستجابة، والاعتماد شبه الكلي على البلاغات البشرية، وضعف المراقبة اللحظية، واستحالة تحليل البيانات الضخمة في الزمن الحقيقي.

 

وبررت د. مها اللجوء للذكاء الاصطناعي بالحاجة الماسة إلى تحليل فوري للبيانات، والتعامل مع كميات هائلة من الفيديو والصور، وتقليل الاعتماد على العنصر البشري، ورفع سرعة ودقة اتخاذ القرار، بما يحقق السلامة المرورية الاستباقية لا العلاجية.

 

ولم تغفل الورقة التحديات الواقعية، وأبرزها ضعف البنية التحتية لشبكات الاتصالات، وارتفاع تكاليف الكاميرات والأنظمة الرقمية، ونقص البيانات المحلية عن الحوداث المرورية وطالبت بالاعتماد علي لتدريب الخوارزميات في التعامل مع الحوداث، قبل أن تختتم بحزمة من الحلول والتوصيات القابلة للتطبيق.

 

*الورقة الرابعة: من الرصد إلى التنبؤ يرسم خارطة المرور*

 

وتناولت الورقة _”تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تطوير منظومة مرور السودان: من الرصد إلى التنبؤ واتخاذ القرار”_، التي أعدتها وقدمتها د. داليا محمود عميد كلية الهندسة بجامعة النيلين، نقلة نوعية في التعامل مع أزمات الطرق. فبدلاً من الاكتفاء برصد الحوادث بعد وقوعها، طرحت الورقة توظيف خوارزميات الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالاختناقات والمناطق الخطرة قبل تفاقمها. وربطت بين التحليل اللحظي للبيانات وآليات اتخاذ القرار السريع، لتتحول المنظومة المرورية من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي.

 

—

 

*المرور يطلق مركزاً للذكاء الاصطناعي لضبط الحركة بالخرطوم*

 

على هامش ختام فعاليات أسبوع المرور العربي التي نظمتها الإدارة العامة للمرور تحت شعار _”تمهل.. نحن في انتظارك”_، أعلن اللواء حاتم محمود منصور، مدير الإدارة العامة للمرور، توجيهه بإنشاء مركز متخصص لمتابعة وضبط الحركة المرورية باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي.

 

وأكد اللواء حاتم أن المركز سيعتمد على تحليل البيانات والرؤية الحاسوبية للكشف المبكر عن الحوادث والمخالفات وتقليل زمن الاستجابة، تمهيداً للتحول نحو مدن ذكية أكثر أماناً.

 

وكشف عن تسلم مدير دائرة التقنية ومدير الوحدة الفنية التوصيات الختامية ، للبدء في التنفيذ الفوري.

 

*توصيات الورشة: خارطة طريق للمرور الذكي*

 

خرجت الورشة العلمية بجملة من التوصيات العملية لتأسيس مرحلة جديدة من السلامة المرورية، أبرزها:

 

– *إطلاق مشروعات تجريبية* في الطرق الرئيسية بالخرطوم لتقييم كفاءة أنظمة الذكاء الاصطناعي في رصد المخالفات والتنبؤ بالحوادث قبل تعميمها على باقي المدن.

– *التركيب التدريجي للكاميرات الذكية* في التقاطعات الحيوية والمدن المكتظة، مع ربطها مباشرة بمركز الذكاء الاصطناعي المعلن عنه لضمان الاستجابة اللحظية وخفض زمن التدخل.

– *اعتماد الحلول مفتوحة المصدر* في بناء الخوارزميات والبرمجيات لخفض التكلفة وتسهيل تطويرها محلياً، وتجنب الاعتماد على الأنظمة المغلقة باهظة الثمن التي ترهق الميزانية.

– *تأهيل الكوادر المحلية* من ضباط المرور والمهندسين عبر برامج تدريب مكثفة بالتعاون مع الجامعات، تمهيداً لإنشاء مركز وطني للمرور الذكي يقوم على البيانات لدعم اتخاذ القرار.

 

*الطريق نحو سلامة مستدامة*

 

ما طرحته الورشة لم يكن مجرد أوراق أكاديمية، بل إعلان نوايا واضح بأن السودان يريد اللحاق بركب المدن الذكية، وأن حماية الإنسان هي حجر الزاوية في معركة الإعمار. الانتقال من “رد الفعل” إلى “التنبؤ”، ومن “الشرطي في التقاطع” إلى “الكاميرا التي لا تنام”، يمثل رهاناً على التقنية لإنقاذ الأرواح وتقليل الخسائر. نجاح المركز الجديد والتوصيات المطروحة سيقاس بعدد الأرواح التي ستُنقذ، والدقائق التي ستُوفر، والثقة التي ستعود لطرقات البلاد.

زر الذهاب إلى الأعلى