كلما اقترب المولد بدأ الإعداد والتجهيز للمعركة التقليدية المعهودة ، ولو أنها كانت في جو من العلمية وعدم المزايدة لكان لها نفع معرفي ، لكن الغالب خلاف ذلك …
لذلك أحب أن أذكر تنبيهات متفرقة أحسب أن لها تعلقا بالأمر :
1- ينبغي أن لا تذهب الموجة الجدلية ومحاولات الإلزام بنا بعيدا حتى يغيب عن بعضنا فضل يوم مولده – صلى الله عليه وسلم – الذي لا ينازع في بركته مسلم ، كمن قد يبلغ به المراء إطلاقات لا تناسب مقام الأدب نحو : ليس إلا يوما كسائر الأيام ! وليس كذلك ، وما عرف هذا التهور اللفظي حتى عند فضلاء القائلين من العلماء بمنع الاحتفال ….
2- لا مانع من استثمار مثل هذا التاريج الأغر لمقاصد محمودة جليلة ، كتدارس سيرته صلى الله عليه وسلم استغلالا لاهتمام الناس وإقبالهم وزيادة عاطفة محبته في النفوس من غير مخالفات شرعية لا يرتضيها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم …
ولا عبرة هنا بما يسوقه بعض الفضلاء من الكلام الوعظي للمنع كقول من يقول : كيف لا يُتذكر النبي صلى الله عليه وسلم إلا في يوم واحد ! وضعف مثل هذه المزايدات وتكلفها ظاهر ، فلم يقل مؤمن بنسيانه في غير مولده، وإنما الأمر من قبيل استثمار تاريخ معين لتحقيق مصلحة معتبرة شرعا ، كما يستحضر الخطباء يوم بدر في السابع عشر من رمضان ويستغلون بداية العام الهجري للحديث عن الهجرة وما تعلق بها ، فإذا التحديد لم يقع على وجه التعبد به لذاته بل على وجه الانتفاع باتفاق التاريخ ، وبمعنى آخر فهي محض وسيلة مبلغة لمصلحة شرعية متمثلة في بث نفائس السيرة وكنوزها وتحريك عواطف حبه والتعلق به صلى الله عليه وسلم في القلوب ، وبذا تنتقل من ضيق البدعة إلى سعة المصالح المرسلة…
3- يحسن بالمبيح التنبيه على عدم إثباته عيدا إضافيا بالمعنى الشرعي كالفطر والأضحى حتى يقطع الطريق على من قد يلتبس عليه قصده ، بل هي ذكرى فرح وسرور ويوم بهيج امتن الله فيه علينا بميلاد أكرم خلقه لينقذنا به من عذابه ، وتلك وربي نعمة تستوجب تجدد شكرها …
4 – مثل هذه المسائل التي اشتهر فيها الخلاف من الفروع لا يستقيم أن تجعل في مصاف أمور المعتقد بحيث يوشك القائل بوجه فيها أن يخرج خصمه من الملة تصريحا أو تلميحا ؛ فليس القائل بالجواز بضوابط سبق ذكرها ناقص الإيمان زاهدا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولازم ذلك تجهيل وتبديع أكابر كالحافظ ابن حجر والسيوطي والسخاوي ومن دار في فلكهم ، كما أن المقلد للقائلين بالمنع احتياطا وسدا لما قد يترتب عليه من المحرمات لذاتها إذا لم يشنع على اجتهاد مخالفه ليس مبغضا للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأول لوازم ذلك التكفير الصريح عياذا بالله ، فمن كان يستطيع أن يلقى ربه بتكفير أفاضل المانعين كابن الحاج المالكي صاحب المدخل والشيخ عدود والشيخ بداه ومن سبقهم فليعد لمخاصمتهم يوم الدين جوابا ….
5 – ختاما أيها النبلاء ؛ إن الأدب مع سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم جنة ، يرتقي الخلق من مقاماتها على قدر حظ كل وسعادته ، ولا يزال القرآن يأخذ بأيدينا إلى تلك الجنان حتى دلنا على خفض أصواتنا حتى لا تعلو في حضرته ، ومن مجانبة هذا التوقير أن نُعلّق ذكرى طلوع نوره في نفوس أمته بالخصومات والجدالات والبغضاء …
شأن سيّدنا رسول الله أجلّ وأعلى من ذلك .
اللهم صل وسلم على أكرم مولود .

