لا شك أننا نعيش اليوم في عالم متغير ومتحور ومتحول وقد بدأت ملامحه منذ دخول العالم حيز الألفية الثانية وبما يسمى (بعصر العولمة) التي طالت كل المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، وكذلك الاعلامية. ودخل العالم في محور القطب الواحد والهيمنة الامريكية. عالم تبدلت فيه أسس العلاقات الدولية ومفاهيم
الحدود القطرية والإقليمية، وحتى داخل المكونات المحلية والمجتمعات الصغيرة. وكان ذلك أثراً وناتجاً لتطور الاتصالات والانفجار المعلوماتي والتطور التكنولوجي الذي وصف بأنه عماد التنمية ومؤشر التقدم والتطور، فزادت بذلك مدخلات المعرفة كما ذابت الحواجز المكانية والزمانية، وبها ولج العالم الجديد عصر المعلومات التي أصبحت سمة هذا العصر وعنوانه ومبتغاه.
وقد شب الأعلام وهو حامل وحاضن مكونات المعرفة من خلال وسائله المتعددة والمتطورة دوماً ليتداخل في كل مفاصل ومقومات الحياة. ومن نافلة القول أن نشير هنا إلى أن من يملك المعلومة وله القدرة على انتاجها وبثها يستطيع أن يسيطر على عالم المعرفة، هذا بل يستطيع أن يطوع ذلك لخدمة أهدافه في كل مجالات الحياة سواءً كانت عامةًً، أو خاصة. اقتصاديةً، أو اجتماعية وثقافية. وأصبحت المعلومة سلعة معرضة للعرض والطلب. هذا الواقع الجديد الذي وفّر كماً هائلاُ من تدفق المعلومات، وكان من المؤمل أن يساعد في ردم فجوه المعلومات، إلاّ أن تلك الفجوة قد ازدادت اتساعا .
ومن منظور هذا التطور المتلاحق في عالم الاتصال والمعلومات أصبح ما كان يقوله ماكلوهان بأن العالم صار قرية صغيرة قد تجاوزه الواقع، فلم يعد العالم كذلك، بل صار أصغر من ذي قبل حتى أضحى بحجم شاشة الجوال يتجول فيه طفل لم يبلغ الثالثة من عمره وهو يعرف كيف يدخل ومتى يخرج وماذا يريد.
ويتصل بذلك الأمر أن الفرد لم يعد متلقياً للأحداث تصله متى ما توفرت له الوسائل وسمح له الوقت بلك ، بل صار مستقبلاً في الزمن الذي يختاره وبالكيفية التي يراها، كما صار منتجاً وناشراً مثله مثل أي وسيلة اتصال أخرى.
وفي المقابل ضاقت مساحات الحدود بين فنون التحرير الصحفي ووظائفه فاختلط الخبر مع الرأي والتحقيق مع التحليل. وبرزت أثر ذلك عمليات (التضليل الاعلامي) و(التجهيل الاعلامي). وامتدت إلى عمليات (الارهاب الاعلامي) . وأصبح البحث عن الحقيقة وسط ذلك الركام من الرسائل الاعلامية ضرباً من المستحيل. وقد ساعد على ذلك التلاعب في الصور والوثائق بتقنيات (الفوتو شوب) و(الذكاء الاصطناعي)
ومن هنا أصبح الأمر لازماً للنظر في الاعلام من جميع جوانبه وسائله وأهدافه وتقنياته ومحتواه وحتى نظرياته وتسمياته. فلم يعد اطلاق اسم (الاعلام الجديد) أو (الاعلام الحديث) الذي تسمى به من سنوات خلت لم يعد اسما مناسبا.
ولما كان الاعلام مؤثراً في كل مراحل البشرية وتطورها ومؤملا فيه كعامل حيوي لإطفاء الحرائق وادارة الأزمات بالحكمة وحفيظاً على تراث الأمم وحضاراتها كأهم وظائفه، الاّ أنه ظل بالمقابل يستخدم كأداة ووسيلة لتأجيج الصراعات واحداث الأزمات والكوارث وهدم القيم والأخلاق.
وقد ظلت علاقة الاعلام بالحروب والكوارث التي شهدتها البشرية في جميع مراحلها – في كثير من الأحيان – علاقة تلازمية فقد ساهمت الاذاعة بشكل فعال في الحربين العالميتين الأولى والثانية ببث الأخبار والدعاية فأنتجت بذلك وظيفة صارت من الوظائف الأساسية للإعلام دارت حولها البحوث الأكاديمية والممارسات العملية، وساعدت كاطار نظري في تأطير كثير من نظريات الاتصال.
وتبقى الحروب في مجملها محدثة متغيرات كبيرة في بنية المجتمعات. وبقدر ما تحدثه من دمار إلاّ أنها في غالب الأحيان ما تكون حافزاً للاستعداد لدورة جديدة من دورات الحياة وعاملاً للتحدي والبناء. وتبقى القدرات الاعلامية من أهم الفصائل المؤهلة لتقليل آثار الحرب المدمرة.
وبهذا تنوعت وظائف الاعلام فصار يلعب دوراً في عمليات الحرب النفسية والحرب النفسية المضادة التي أضحت هدفاً اصيلاً من أهداف الإعلام .كما أصبح تحصين المجتمع من الأثر السالب لتلك الرسائل هو الآخر هدفاً تقوم به الحكومات المختلفة وتجند أجهزة أعلامها لذلك.
*مراحل تطور الاعلام السوداني*
عرف السودان الصحافة والإعلام عند دخول الغزو الانجليزي في نهاية القرن قبل الماضي بصحيفة حلفا نيور، ثم الغازيتة التي كانت تنشر المراسيم الرسمية فقط. إلاّ أنها كانت بذرة بين طيات الأرض السودانية الخصبة. ثم جاءت بعد ذلك الاصدارات الوطنية كمجلة الرسالة والفجر والنهضة وقد كان الاهتمام بالجوانب الثقافية حسب منطوق التصديق الممنوح . وقد استغل رواد الصحافة الأوائل هذه المداخل لبث الروح الوطنية من خلال القصائد والمقالات التي كانت تلهب المشاعر القومية وترمي لاصطفاف الشعب حول قضايا الوطن. ثم توالت الصحف السياسية من بعد ذلك كصحيفة النيل حتى صحف الرأى العام والأيام وآخر لحظة ومجلة السودان الجديد وغيرها من المجلات والاصدارات المتعددة.
وفي جانب آخر شهد السودان عمليات البث الاذاعي من وقت مبكر فقد شهدت أربعينات القرن الماضي ميلاد الاذاعة السودانية مع بداية الحرب العالمية الثانية. وقد أنشأتها الادارة البريطانية لتخدم خط الحلفاء في الدعاية وأخبار سير المعارك الحربية ورغم ذلك الهدف الاستعماري إلاّ أن الصوت الوطني وجد مجالاً واسعاً، فكانت الأغنيات الحماسية والأناشيد الوطنية التي ألهبت حماس أبناء الوطن وكان لها الفضل في وجدان الشعب السوداني .
واستكمالاً لتلك الجوانب فقد شهدت ميادين المدن و ساحات القرى والأرياف عروض السينما المتجولة والعروض المسرحية التي وجدت تجاوباً مع الجماهير.كما أدي المسح القومي دوره في التثقيف والترفيه والنقد.
واستمر هذا التطور في مجال الاعلام السوداني بما نشهده الآن من الاتصال بتقنيات الاعلام الحديث ومحاولة بلوغ ما وصلت إليه هذه التقنية. وقد اكتسب الاعلاميون من الخبرات والتجارب لما يؤهلهم لارتياد قمم الاعلام بكل دراية وثقة.
*واقع الحالً ً
الآن يعيش شعب السودان حرباً وجودية فرضت عليه، وغزواً همجياً استهدف الوطن كله: انساناً وكياناً، تاريخاً وحضارةً، ماضٍ وحاضرٍ ومستقبل. ديناً وقيماً، غابةً وساحلاً وصحراء. ماءً ويابسةً. مرعىً وتحطيب. مدينة وقرية وريف. تبرأ وتراباً… حرباً استخدمت فيها كل معدات وتجهيزات وآليات الحرب حاضرها وماضيها. وكان للإعلام فيها نصيب الأسد، فقد بدأت وظلت غرف الإعلام المعادية تجهز لهذه الحرب منذ فترات طويلة بإعداد الكوادر والرسائل والوسائل. وقد استخدمت كل أساليب الحروب قد مها وحديثها ابتداءً بأساليب الحرب التقليدية وحرب الجيل الأول مرورًا واتصالاً بحروب الجيل الرابع حيث الحرب الناعمة وصولاً إلى حرب الجيل الخامس والحرب الذكية تصاعدًا إلي حرب الجيل السادس والحرب السبرانية. وستظل هذه الحرب بل وسيشتد أوراها بعد أن تسكت أصوات المدافع لتشتعل نيران عمليات الحرب النفسية وحرب العقول.
وقد ظل ذلك الاعلام المعادي قبل الحرب واثناءها يوظف آلياته ووسائله لتحقيق أهدافه والتي تركز على تحطيم الروح المعنوية للشعب وقواته المسلحة وذلك بفعل عوامل التأثير التراكمي لرسائله المصنوعة بعناية متخذاً بذلك جملة من الأساليب غير الأخلاقية. فقد استخدم فيما أستخدم اسلوب الخداع الاعلامي وأساليب الحرب النفسية وبث الشائعات وكانت استراتيجيته تعتمد على الآتي:
١۔ العمل على تحطيم معنويات الشعب وقواته المسلحة. وخلخلة قناعاته ومعتقداته وخياراته وموروثاته الثقافية والحضارية.
٢۔ تشكيك أفراد القوات المسلحة في قضيتهم التي يحاربون من أجلها
٣۔ اختلاق الأزمات واثارة الرعب والفوضى .
٤۔ التهويل واثارة المخاوف.
٥۔ التحريض على أعمال العنف والتخريب.
٦۔ نشر الكراهية والتفرقة بين مكونات الشعب وذلك بالإفساح لخطاب الكراهية واتساع مجالاته.
٧۔ محاولة تضليل المواطن بدعاوى ظاهرها السماحة والبراءة والدعوة للقيم النبيلة ولكنها في الواقع تدس السم في الدسم سعياً للخداع وتفتيت تماسك الأمة.
٨۔ نشر الأكاذيب والدعاية السوداء والأخبار المضللة وترويج الاشاعات.
محاولة الحصول على المعلومات باستدراج بعض الإعلاميين والسياسيين من خلال اشراكهم في برامج حوارية اذاعية أوتلفزيونية.
_ثم ماذا_* *_بعد_*
لا خلاف البتة في أن المرحلة القادمة هي فترة انتقالية تقود الشعب بكل مكوناته إلى نظام حكم ديقراطي يقول فيه الشعب كلمته ويعطي ثقته لمن يراه أحق من يتولى ادارة البلاد بعد انتخابات حرة نزيهة يسمح فيها لكل الأحزاب والمكونات السياسية بعقد مؤتمراتها ولياليها السياسة وعرض برامجها ليختار الجمهور بوعي وارادة حرة من يراه أهلاً لتولي المسئولية . وفي هذه الفترة ينبغي أن تفتح وسائل الاعلام الباب واسعاً لكل من يريد أن يعرض (بضاعته)في الهواء الطلق والفضاء المفتوح.
وبعد أن تضع الحرب أوزارها – بإذن الله – ويعم السلام أرجاء الوطن، بل وقبل ذلك – ومنذ الآن- لابد من التفكير بجدية لمألات الاعلام وما ينبغي أن يكون عليه في المرحلة القادمة. ويتطلب ذلك أن يعكف المختصون في اعداد الخطط والبرامج والاستراتيجيات بعد امعان النظر في الماضي استناداّ على الارث المعرفي والتجارب والخبرات المتراكمة. مع فحص الحاضر بوعي وادراك.
خارطة طريق
هذه بعض المقترحات آمل أن تسهم في وضع لبنات أساسية لمستقبل الاعلام في المرحلة القادمة:
١۔تقوية المؤسسات الإعلامية و تزويدها بأحدث ما توصلت إليه التقنية في عالم الاتصالات.
٢۔ التدريب المستمر ورفع كفاءة الصحفيين والإعلاميين
٣۔ اعادة النظر في قانون مجلس الصحافة والمطبوعات ليواكب المستجدات المستحدثة في عالم الاتصالات والتقنية. ومراجعة هيكل المجلس وتكوينه وتبعيته.
٤۔ اعادة تعريف الصحفي، و من يحق له أن يمارس المهنة احترافاً حتى لا يدخل المهنية من غير المؤهلين لذلك.
٥۔ عقد دورات تدريبية حتمية يجتاز فيها الصحفي حواجز الكفاءة التي يتدرج فيها الصحفي ويرتقي من محرر إلى رئيس تحرير. وكل دورة تشتمل على مهام وواجبات الوظيفة المعنية.
٦۔ تقريب الشقة بين الاعلام والأمن. وعقد ورش عمل تتناول علاقة الاعلام بالأمن وعلاقة الأمن بالإعلام.
٧۔ النظر في مناهج كليات الإعلام. وأرى أن تكون مدة الدراسة خمس سنوات يصمم فيها منهج الفرقة الأولى والثانية كمنهج عام في أقسام الاعلام المختلفة. على أن يكون منهج الفرقتين الثالثة والرابعة في مجال التخصص. وتختص السنة الخامسة بالتدريب العملي في المؤسسات الإعلامية والصحفية. ويتخرج الطالب بشهادة صحفي محترف. وبذا يتم الغاء امتحان القيد الصحفي. وتكوين لجنة مشتركة من اتحاد الصحفيين ومجلس الصحافة والمطبوعات تعنى بملف القيد الصحفي.
٨۔ مراجعة قانون الاتصالات وقانون الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون .
٩۔ النظر في قانون دار الوثائق القومية.
١٠ ۔ النظر في قانون المجلس القومي للمصنفات الفنية وقانون الملكية الفكرية.
١١۔ مع الايمان بأهمية الحريات بشكل عام والحرية الصحفية بشكل أخص، إلاّ أنه لا بد من ضوابط تحكم العمل الصحفي وترشده. وهي قواعد تهدف لتحصين المجتمع من تأثير الاعلام السالب في ظل الفضاء الإعلامي المفتوح .وتقنن لممارسة الحرية المنضبطة بقواعد السلوك الاجتماعي وموروثات المجتمع الأخلاقية لتصبح حارسة وأمينة لقيم ذلك المجتمع.
١٢۔التواثق على ميثاق شرف صحفي واعلامي يحدد واجبات الصحفي ويبين محذورات ومحظورات النشر الصحفي. ويحكم العلاقة بين الصحفيين والمؤسسات الصحفية ومؤسسات الدولة.
١٣۔ تقنين العلاقة بين الأمن والإعلام وتمتينها من حيث أنهما يعملان لهدف واحد رغم اختلاف الأساليب والوسائل.
١٤۔تقوية مكاتب وادارات العلاقات العامة في المؤسسات الرسمية والمؤسسات والشركات الخاصة لتمارس دورها في التخطيط واعداد البحوث في المجالات التي تهم المؤسسة. ودراسة الرأي العام والمشاركة في وضع الخطط التي تهدف إلى تطوير المؤسسة. وتفعيل دورها كوظيفة استشارية للقيادة العليا للمؤسسة المعنية. مع القيام بربط جمهور المؤسسة الداخلي والخارجي ببرامج و أهداف المؤسسة.
15. تفعيل دورالناطق الرسمي في كل مؤسسة وخاصة في القوات المسلحة والاجهزة الأمنية والشرطية والمؤسسات السيادية. وخلق علاقة بينها وبين الإعلاميين وأجهزة الإعلام.
16. اتاحة حرية حصول الصحفي للمعلومات كحق أصيل سوى التي تتصل بالأمن القومي وتحركات القوات المسلحة.
17.التأكيد على حرية النشر والتعبير وايقاف كل أشكال الرقابة القبلية والاحتكام م لقانون الصحافة والمطبوعات مع ضرورة سن القوانين واللوائح التي تحدد محاذير النشر الصحفي في ما يختص بالمساس بقيم المجتمع وتهديدات الأمن القومي وقضايا الفساد وإشانة السمعة وبما يحفظ للمجتمع أمنه واستقراره. ويحفظ حقوق والأفراد.
18. تشجيع القطاع الخاص للدخول في مجالات صناعة الإعلام المختلفة.
19. تقوية مراكز الخدمات الصحفية ومراكز البحوث والاهتمام بمراكز قياس الرأي العام.
20. اعلاء شأن الاعلام المحلي والمجتمعي ليقوم بدوره في عمليات تنمية المجتمع وحفظ التراث والثقافة المحلية ونشرها. على أن تكون بكل ولاية قناة فضائية ومنصة اخبارية ۔ولكل محلية اذاعة مجتمعية۔
21. انشاء محطات فضائية ناطقة باللغات الاجنبية واللهجات الافريقية.
22. تقوية الملحقيات الاعلامية والثقافية الخارجية لتعكس وجه السودان المشرق.

