اقتصاد

عمر دمباي يكتب.. رحلة العذاب بين القضارف وبورتسودان “طريق يبحث عن الرحمة”

الخرطوم | الان نيوز

من القضارف إلى بورتسودان، لا تسير البصات فحسب، بل تسير الحكايات… حكايات تعبٍ وشقاءٍ وقلقٍ يمتد مع الطريق.”لم تعد الرحلة من القضارف إلى بورتسودان مجرد تنقل بين مدينتين، بل أصبحت اختبارا يوميا لصبر الإنسان وقدرته على التحمل.

 

على طول الطريق، تتكبد مئات الأسر مشقة السفر، يطاردها الغبار والانتظار، وتثقلها إجراءات لا تفهم، وتفاصيل طريقٍ نسيه الزمن والإصلاح.

 

الأسفلت هنا لم يعد طريقا، بل ذاكرة ممزقة لسنوات من الإهمال، كل حفرة تروي قصة، وكل منعطف يحمل خوفا دفينا من المجهول.

 

فالرحلة التي كان يفترض أن تستغرق ساعات محدودة، تحولت إلى أيام طويلة من العناء، تتآكل فيه الأعصاب كما تآكلت طبقات الطريق.

 

في التذاكر، يكتب أن موعد المغادرة هو الخامسة والنصف صباحا، لكن الواقع يقول غير ذلك؛ الرحيل لا يبدأ إلا بعد السادسة إلا ربع، وكأن الزمن نفسه فقد احترامه للمسافر.

 

وما بين القضارف وكسلا، تلك المسافة التي لا تتجاوز 190 كيلومترا يتحوّل السفر إلى خمس ساعات من التوقفات، والتفتيشات، والطرقات الوعرة، وكأن المسافر في عبور لا نهاية له.

 

تلك النقاط الأمنية المتعددة التي تنتشر على امتداد الطريق، لم تعد رمزا للأمان بقدر ما أصبحت علامة استفهام كبرى.

 

فما جدوى عشرات نقاط التفتيش إن لم تحم المسافر؟

وما فائدة الطوف الأمني إن كانت البصات بطيئة أصلا لا تزاحم ولا تهدد النظام؟ الإجراء فقد معناه، تماما كما فقد الطريق معناه الأول: الوصول الآمن والسريع.

 

أما كافتيريات الطريق، فهي فصل آخر من فصول المعاناة.

يتوقف السائقون حيث يدفع أصحاب الكافتيريات أكثر، لا حيث يجد الركاب الراحة أو النظافة أو حتى كوب شاي نظيف، يتاجر بعض السائقين بالركاب كما لو كانوا سلعة، في طريقٍ لا يعرف الرحمة ولا يعرف التنظيم.

 

في خضم هذه الفوضى، ترتفع الأصوات مطالبة اللجنة الأمنية بولايتي القضارف وكسلا بالتدخل العاجل، لإعادة النظر في نظام التفتيش، والاكتفاء بنقطة واحدة رئيسية مزودة بالتقنيات الحديثة والعناصر المؤهلة، ولضبط تراخيص الكافتيريات التي أصبحت عبئا إضافيا بدل أن تكون محطة راحة.

 

المشكلة ليست فقط في الطريق، بل في عقلية إدارة الطريق، فحين يغيب التنسيق بين الأجهزة، ويغيب الضبط الإداري، تتحول البنية التحتية إلى مرايا تعكس واقعا أوسع من مجرد رحلة متعبة؛ إنها صورة مصغرة لمعضلة الدولة في التخطيط والمتابعة.

 

اقتصاديا، فإن تدهور الطريق وكثرة نقاط التوقف انعكسا سلبا على حركة التجارة والنقل بين القضارف وبورتسودان، ما أدى إلى تأخير البضائع وزيادة تكاليف النقل، وأضعف سلاسة الإمداد بين الشرق والداخل.

أما إنسانيا، فقد تحوّل السفر إلى تجربة قاسية تمتحن صبر المواطن كل يوم، وتعمق شعوره بالتهميش والنسيان.

 

من هنا، يصبح الطريق بين القضارف وبورتسودان أكثر من مجرد خط إسفلتي متآكل؛ إنه رمز لعلاقة تحتاج إصلاحا بين الإنسان والدولة، بين المواطن والخدمة العامة، بين الحق في الراحة وواجب الجهات المسؤولة في تأمينها.

 

إن إصلاح الطريق ليس هندسة إسفلت فحسب، بل هندسة احترام لإنسان يستحق أن يسافر بارتياح.

 

والآن، وأنا أكتب هذه السطور، الهواء البارد يضرب وجوه واجساد المسافرين في العراء، وكحة الأطفال لا تتوقف، فيما يقف أصحاب الكافتيريات فرحين بعد أن امتلأت أسِرتهم المستأجرة عن آخرها، في مشهدٍ يلخص بؤس الطريق وغياب الرقابة… طريق ما زال يبحث عن الرحمة.

زر الذهاب إلى الأعلى