وزير الخارجية السوداني سبق أن زار العاصمة الإيرانية طهران في بداية شهر فبراير/شباط 2024، والتقى نظيره الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، الذي تسلَّم المطالب السودانية وأرسلها إلى قادة الحرس الثوري الإيراني، لمناقشتها واتخاذ القرار بشأنها، بحسب المصادر الإيرانية التي تحدثت لـ”عربي بوست”.
مصدر في الحرس الثوري الإيراني كشف لـ”عربي بوست”، مفضلاً عدم ذكر اسمه، أن وزير الخارجية السوداني، “طلب من طهران إمداد الخرطوم بطائرات “شاهد” الإيرانية بدون طيار، التي تصدرها طهران إلى موسكو لمساعدتها في حربها مع أوكرانيا”، وفق قوله.
وفقاً لمصدر دبلوماسي إيراني مطلع على هذه النقاشات، فإن “هذه الطلبات ناقشها وزير الخارجية الإيراني مع القيادة العليا الإيرانية، التي لم تعطِ موافقتها الفورية أثناء زيارة علي الصادق لطهران، وأن التقدير الأوَّلي لديها كان بعدم رغبة إيران في التورط في الصراع السوداني”، وفق تصريحاته لـ”عربي بوست”.
لكن المصدر الدبلوماسي الإيراني الذي طلب عدم الكشف عن هويته، نظراً لحساسية الموضوع، قال إن عبد اللهيان “لمَّح لنظيره السوداني بإمكانية إرسال الأسلحة الإيرانية ولكن بعد إرسال مستشارين إيرانيين إلى السودان، لدراسة الوضع”.
يأتي ذلك في حين أن تقارير إعلامية غربية أفادت بأن طهران زوّدت الجيش السوداني بطائرات “مهاجر” بدون طيار الإيرانية قبل زيارة وزير الخارجية السوداني لإيران.
أكدت المصادر أنه بعد مغادرة الوزير السوداني، “وصلت نقاشات القيادة العليا في إيران إلى الموافقة بالفعل على إرسال مستشارين إيرانيين إلى السودان كما كان الحال في بداية الأزمة السورية، في حين أن فكرة إرسال المسيّرات والصواريخ الإيرانية ما تزال قيد الدراسة”.
مصدر مقرّب من الحرس الثوري الإيراني لـ”عربي بوست”، قال: “لم يتخذ القادة السياسيون والعسكريون في إيران قراراً نهائياً بإرسال الأسلحة إلى الجيش السوداني، لكن الأمر مرجح حدوثه في أي وقت، لا سيما بعد إرسال عدد قليل من مستشارين إيرانيين إلى السودان”.
بشأن موعد إرسال مستشارين إيرانيين إلى السودان، كشف المصدر أنه “تم إرسالهم بالفعل إلى السودان، من أجل دراسة الوضع على الأرض، وإرسال التقارير إلى قادة الحرس الثوري والمرشد الأعلى”.
وقال إنه “من المحتمل أن يتم إرسال مستشارين إيرانيين إلى السودان، إضافيين، في الأسابيع القليلة المقبلة، من أجل تدريب القوات المسلحة السودانية على الخطط العسكرية، واستخدام الأسلحة الإيرانية، وما شابه من الأمور العسكرية”.
واعتبر كذلك أن إرسال مستشارين إيرانيين إلى السودان “مجرد بداية للتعاون الإيراني العسكري مع الجيش السوداني”.
النفوذ على البحر الأحمر والتنافس مع الإمارات
بشأن المصالح الإيرانية من دعم الجيش السوداني وإرسال مستشارين إيرانيين إلى السودان، أفادت مصادر إيرانية مطلعة، في حديثها لـ”عربي بوست”، بأن “طهران تهدف إلى تعزيز وتوسيع نفوذها في منطقة البحر الأحمر”.
أوضح المصدر أن “هذا التوسع من المحتمل أن يمكّن إيران من توسيع وجودها البحري في المنطقة، وأيضاً يضمن لها إعادة تزويد سفنها بالوقود في البحر الأحمر، بحسب ما تفكر فيه القيادة الإيرانية العليا”.
في السياق ذاته، تحدث مصدر سياسي من مكتب المرشد الأعلى الايراني، لـ”عربي بوست”، شارحاً الصورة والنية الإيرانية من مساعدة الجيش السوداني، دون الكشف عن هويته، قائلاً: “سيوفر ذلك لطهران حلفاء جدداً في منطقة البحر الأحمر وشرق أفريقيا، وكذلك تهتم القيادة في طهران بتعزيز العلاقات مع المجموعات السودانية الإسلامية المتحالفة مع الجيش السوداني”، دون أن يسميها.
سبب آخر وراء الاهتمام الإيراني بدعم الجيش السوداني، ما عبَّر عنه مسؤول إيراني مقرب من الحرس الثوري الإيراني في حديثه لـ”عربي بوست”، بشأن مسألة التنافس في النفوذ مع الإمارات في منطقة البحر الأحمر.
وقال: “منذ سنوات طويلة، وكل من طهران وأبوظبي تحاولان السيطرة على نقاط الخلاف بينهما، لمنع الأمر من التحول إلى صراع، لكن في الفترة الأخيرة زادت أبوظبي من ضغطها في مسألة الجزر الثلاث الإيرانية التي تطالب بها، ما زاد الأمور تعقيداً، ودفع البعض في المؤسسة السياسية الإيرانية للتفكير بدعم طهران للجيش السوداني في مواجهة دعم الإمارات لقوات الدعم السريع، من أجل إظهار قوة طهران”.
وأضاف أنه “بعيداً عن مسألة المطالبة الإماراتية بالجزر الثلاث، نحن أمام تضارب للمصالح كبير بين طهران وأبوظبي، التي تريد السيطرة على موانئ البحر الأحمر، في وقت تريد طهران فيه تعزيز علاقاتها مع أفريقيا، خاصة أن السودان بالنسبة لطهران يُعدّ أفضل بوابة لأفريقيا”.
منذ عام 2019، لعبت الإمارات دوراً سياسياً كبيراً في السودان بالتعاون مع السعودية، بدعم الجيش السوداني منذ إطاحته بحكم عمر البشير، لكن أبوظبي في الوقت ذاته عمّقت علاقتها مع قوات الدعم السريع، على عكس الرياض، الأمر الذي عبرت عنه السلطات السودانية الحالية التي هاجمت علناً، ومراراً، الدعم الإماراتي للدعم السريع.
لذلك، حذرت المصادر الإيرانية من أن “الأهداف المتضاربة لإيران والإمارات في البحر الأحمر يمكن أن تؤدي إلى تفاقم الوضع بين البلدين، وفي نهاية المطاف يجدان نفسيهما أمام حرب بالوكالة، تُطيل أمد الصراع في السودان”.
تعليقاً على هذا الأمر، قال مسؤول أمني إيراني رفيع المستوى لـ”عربي بوست”: “هناك احتمالية بالطبع لحدوث تصادم بين الإمارات وإيران في السودان، وذلك في حالة قررت القيادة الإيرانية دعم الجيش السوداني بالأسلحة والخبرات”.
استبعد المصدر أن ترفض طهران دعم الجيش السوداني، لكنه أوضح أن “هناك خطوات لا بد من اتخاذها في البداية، مثل إرسال مستشارين إيرانيين إلى السودان، وتعزيز العلاقات مع الجماعات الأخرى المتحالفة مع الجيش السوداني، لسماع آرائهم، واستكمال إعادة العلاقات بين طهران والخرطوم، وإرسال البعثات الدبلوماسية والعسكرية”.

