كتاب رائ وعالمية

الأمين علي حسن ..يكتب .. يروى ان (.. لقد سجنت بين صفحات يخلق من الشبه قلبين

الخرطوم| الآن نيوز

“الوطن ليس مكاناً فقط، بل إحساس يمكن أن تجده في الأشخاص أيضاً”.كانت هذه العبارة مدخلي الحقيقي لرواية “يخلق من الشبه قلبين” للصديق أكرم الفرجابي، كما كانت مدخلاً مناسباً له لقلب “حنين”؛ تلك الفتاة التي كانت منكفئة على ذاتها، لا تعطي من حولها أدنى اهتمام، تعيش في عالمها الخاص، حتى طرقت أذنها تلك العبارة من “نشأت”، لتتحول حياتها كلياً، وتصبح شاعرة بالوطن: أرضه، وسَمائه، ونيله، وليله، وأهله.

فمنذ أن بدأتُ قراءة الرواية، وجدتُ نفسي سجيناً بين صفحاتها، أتنقل بين الجمال، وسلاسة المفردة، وحلو الذكريات. عشتُ الأحداث منذ يومها الأول، وعشتُ التفاصيل والانفعالات؛ أُكمل الصفحة فأجد نفسي أكثر لهفة لبدء التي تليها، وقد زاد من عمق عيشي لهذه التفاصيل معرفتي بأبطال الرواية ويوميات القصة الحقيقية.

والجميل في أكرم أنه يستطيع أن يرسم لك لوحة فنية جميلة ترى من خلالها كل شيء دون حاجة للشرح، فالأدب الذي يجسد المشاهد في لوحات فنية هو دائماً الأكثر جاذبية. أذكر قبل سنوات أنني ذهبت برفقة عدد من زملاء الدراسة لمشاركة زميل لنا بمناسبة زواج شقيقه بـ “حلفا الجديدة”، وعندما بدأ الفنان يغني وتجمع الناس، صعد شقيق العريس الأكبر إلى المسرح واستأذن الفنان، ثم ناداني باسمي طالباً مني أبياتاً من “الدوبيت”. ورغم غرابة الموقف، إلا أن بيئة الحضور كانت بيئة دوبيت ومسادير، فشاركت ببعض الرباعيات، ومن بينها رائعة صديقنا حسن محمد دياب:

نِشِف ريقي هم البدري لي ببادرن

بَرَدَن في الغدير متخفيات وبغادرن

بجاسفن لي برويحاتهن بجني بخاطرن

بلولحن لي برويساتهن بعد ما يسادرن

وعندما انتهيت، جاءني شقيق العريس الذي طلب الدوبيت وقال لي: “عندما سمعت هذه الرباعية، شعرت وكأن المسرح لوحة كبيرة وأنت تحمل ريشة وترسم لنا التفاصيل”.

لذلك، عندما تعمقت في “يخلق من الشبه قلبين”، عشت ذات الأحداث بين الكلية، وجنوب الخرطوم، والدوحة، والصحف التي عمل بها “نشأت” وبداياته. ومن العجيب أنني زاملت البطل في “شارع الجرايد” ـ كما نسميه ـ وأعرف تفاصيل تجربته الصحفية، ونجاحاته، وشغفه يومئذ.

لقد لعبت الظروف والأقدار دوراً مهماً في أحداث القصة؛ فمع كل انتكاسة كان يظهر بريق أمل ليصنع مشهداً جميلاً مليئاً بالتحدي والإصرار، ويفتح آفاقاً للنجاح حتى تكتمل النهايات السعيدة.

لم يحتج أكرم إلى خيال، أو مبالغات، أو شخصيات مفترضة، أو مشاهد وأحداث وأمكنة مصنوعة، بل دوّن يوميات عاشها بتفاصيلها: حلوها ومرها، انكساراتها وهزائمها، نجاحاتها وإشراقاتها. عاش الكثير من التحديات، ولكنه ظل متمسكاً بحلمه ولم يستسلم، وسانده في ذلك تشجيع “حنين”، ووقوفها إلى جانبه، وصدقها معه رغم الفوارق وطول الانتظار؛ فقد آمنت به، خاصة أنه غيّر الكثير في حياتها ونظرتها للوجود، وجعلها أكثر انفتاحاً على الآخرين.

في تقديري، الرواية تعبر عن قصص العديد من الشباب الذين عاشوا حياة مماثلة بين الغربة وأرض الوطن، ولكنهم لم يجدوا من يعبر عنهم ويروي حكاياتهم، فحق لهم اليوم أن يروا أنفسهم من خلال “يخلق من الشبه قلبين”.

زر الذهاب إلى الأعلى