أسامة عثمان يكتب.. متى يتحرر العقل السوداني من عقدة الطب في التقديم للجامعات
الخرطوم| الآن نيوز

منذ عقود طويلة ارتبطت فكرة التفوق الدراسي في السودان، بل في معظم بلدان المنطقة، بالالتحاق بكليات الطب. فأي طالب يحرز نسباً عالية في الشهادة الثانوية يجد نفسه بصورة شبه تلقائية في كلية الطب، وكأن هذا هو الخيار الوحيد أو الطريق الأوحد لبرهنة ذكائه ومكانته الأكاديمية. هذا الواقع يثير الكثير من التساؤلات: من المسؤول عن هذا التوجه؟ ولماذا لم تتغير هذه النظرة رغم التحولات الكبيرة التي يشهدها العالم في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة؟
من المهم بداية التأكيد على أن الطب مهنة عظيمة وضرورية، فهو مرتبط بصحة الإنسان وجودة حياته، ولا يمكن التقليل من مكانته ودوره. لكن السؤال الأوسع يتجاوز قيمة الطب إلى طبيعة التنمية ذاتها: هل تطور الدول الحديثة يعتمد على الأطباء فقط؟ حين ننظر إلى القوى الكبرى في العالم نرى أن أمريكا وروسيا والصين والهند وباكستان وكوريا الشمالية وحتى إسرائيل، لم تفرض نفسها بالقوة العلمية والسياسية والعسكرية من خلال الطب، وإنما عبر التكنولوجيا والهندسات المتقدمة والبرمجيات والفضاء والصناعات العسكرية. هذه الدول صارت مرهوبة الجانب لأنها تمتلك القوة النووية والقدرة على غزو الفضاء وبناء صناعات متطورة، ولم يكن للطب دور محوري في هذه القوة الردعية. حتى إيران، التي كثيراً ما تُضرب بها الأمثال، نالت احترام العالم لا لأنها خرّجت آلاف الأطباء، بل لأنها نجحت في دخول النادي النووي.
في السودان، ظل توجيه النسب العالية نحو الطب بمثابة سياسة تعليمية غير مكتوبة، لكنها راسخة في الوعي الجمعي. هناك من يرى أن لهذا التوجه جذوراً استعمارية، فالمستعمر كان يدرك جيداً أن ربط الذكاء والتميز بمهنة محددة قد يحد من انطلاق العقل السوداني إلى مجالات أكثر حساسية وتأثيراً مثل التكنولوجيا والصناعات المتقدمة. بهذا الشكل تم تكريس صورة نمطية: أن قمة الطموح الأكاديمي هي أن تكون طبيباً، بينما تُركت بقية التخصصات لتُعتبر خيارات بديلة أو أقل قيمة.
لكن الواقع العالمي اليوم يقول شيئاً مختلفاً تماماً. الهندسة الكيميائية والفيزيائية والكهربائية والبرمجيات والهندسة الزراعية ليست مجرد تخصصات أكاديمية، بل هي عصب التطور والتنمية وبناء الدول القوية. فالعالم اليوم لا يُدار بالمسكنات الطبية، وإنما بالتفوق في الطاقة والفضاء والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي. لذلك فإن تطوير المناهج في هذه التخصصات وتشجيع الطلاب منذ مراحل مبكرة على البحث في الكيمياء والفيزياء والرياضيات يجب أن يكون أولوية وطنية. تخيل لو أن الطالب في الصف الأول الثانوي يتلقى دعماً وتشجيعاً لإعداد بحوث علمية في الطاقة النووية أو برمجة الحواسيب أو تطبيقات الذكاء الاصطناعي، كم من العقول السودانية كان يمكن أن تتحول إلى قوة علمية تضع البلاد في مسار مختلف.
السودان لن يجد له مكاناً محترماً في عالم اليوم إذا ظلّ يحصر التميز الأكاديمي في مجال واحد مهما كان نبيلاً. الاحترام الدولي يُبنى على القوة الصلبة: الصناعات، التكنولوجيا، القوة العسكرية، والقدرة على الابتكار. الطب يمكن أن يحسّن حياة الأفراد ويمنح المجتمع صحة أفضل، لكنه لا يصنع دولة عظمى. السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا بجرأة: إلى متى سيظل عقل الطالب السوداني مقيداً بوهم أن الطريق إلى القمة يمر عبر كلية الطب فقط؟ ولماذا لا نعيد النظر في هذا الموروث ونفتح الأفق واسعاً أمام العلوم والهندسات والتكنولوجيا والفضاء؟ الإجابة على هذه الأسئلة قد تكون المدخل الحقيقي لصناعة مستقبل مختلف، مستقبل يقوم على العلم المتنوع لا على مهنة واحدة مهما كانت عظيمة.

