تقارير وحوارات

أسلحة ألمانية بأيدي المليشيا.. ملف معقد يكشف شبكة وسطاء وتهـ ريب عبر عدة دول

الخرطوم | الآن نيوز

تتصاعد الأسئلة حول كيفية وصول أسلحة ألمانية الصنع إلى مليشيا الدع-م الس-ريع في ظل الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023، بعد تداول صور ومقاطع مصوّرة تظهر مقاتلين تابعين للميليشيا وهم يحملون بنادق متطورة من طراز G36C٧ وأخرى ألمانية المنشأ. وبينما تنفي الجهات الألمانية أي علاقة لها بتسليح أطراف النزاع، تكشف تقارير بحثية وإعلامية عن شبكة معقّدة من المسارات غير المباشرة التي قد تكون سهّلت وصول هذه الأسلحة إلى العاصمة الخرطوم ومناطق أخرى.

هذه المعلومات أثارت جدلاً واسعاً لا يقتصر فقط على الأسلحة الألمانية، بل بدول أخرى تم رصد وجود أسلحة من صنعها في يد المليشيا، مثل تركيا، والصين.

 

ظهور “G36C”.. الشرارة الأولى للجدل:

 

بدأ الجدل عندما ظهرت في تسجيلات مصوّرة بندقية G36C الألمانية، وهي بندقية هجومية خفيفة ومتطورة تنتجها شركة Heckler & Koch الألمانية.

ولكن الشركة سارعت إلى نفي أي توريد مباشر للسودان، مؤكدة أنها تلتزم بقواعد صادرات السلاح الأوروبية، وأنها لم تُجرِ أي صفقات مع جهات سودانية في السنوات الأخيرة.

لكن ظهور السلاح في يد مليشيا الدع-م الس-ريع أثار أسئلة حول كيفية وصوله، خصوصًا وأن هذه الفئة من البنادق عادة ما تُباع لجيوش نظامية، وليس لميليشيات أو أطراف في نزاعات أهلية.

 

أسلحة تركية وأخرى صينية:

 

تم رصد استخدام جنود من المليشيا للبندقية التركية ZPT 556 التي تقوم بإنتاجها شركة الصناعات الدفاعية التركية TISAS من العيار 45×5.56 ملم.. كما تم رصد وجود 13 طائرة مسيرة صينية الصنع من طراز CH-95 لدي المليشيا، وفقاً لتقارير إعلامية.

نفت وزارة الخارجية الصينية، في سبتمبر الماضي، بشدة أي علم لها بمسيرات صينية الصنع لدى المليشيا في السودان، أما تركيا فمن المعلوم أن موقفها المساند والداعم للحكومة السودانية والجيش السوداني يجعلها بعيدة عن التورط في إمداد المليشيا بالسلاح، خاصة أن ذلك يتصادم بشكل أساسي مع مصالحها في المنطقة.

مما يفتح الباب على مصراعيها للحديث عن شبكة وسطاء الدولية تضم دولاً وتجار سلاح، تقف وراء تزويد المليشيا بالسلاح المتطور، وفقاً لما أشارت إليه بعض التقارير الإعلامية الدولية، آخرها تقرير آفريكان انتيليجانس.

 

مسارات متشابكة.. من الخليج حتى ليبيا وتشاد

 

تُجمع عدة مراكز بحثية — بينها معهد GIGA الألماني ومؤسسة “Rosa Luxemburg” — على أن الد-عم الس-ريع لا يعتمد على مصدر واحد في تسليحه، بل على شبكة تهريب إقليمية واسعة تشمل:

1. الإمارات العربية المتحدة: حيث تظهر الإمارات في أغلب التقارير باعتبارها محطة رئيسية لعبور الأسلحة التي تُنقل لاحقًا إلى السودان، وذكرت تحقيقات صحفية دولية أن شحنات أسلحة خفيفة ومتوسطة تمر عبر شبكات خاصة داخل الدولة، بعضها مرتبط بجهات تتعامل مع الد-عم الس-ريع.

2. ليبيا وتشاد: توجد طرق تهريب معروفة تمتد من ليبيا، حيث تتوفر سوق سوداء للسلاح، منذ سقوط القذافي، وصولًا إلى دارفور عبر الأراضي التشادية. وتشير دراسات صادرة عن منظمات أوروبية إلى أن هذه المسارات تُستخدم بكثافة لنقل أسلحة خفيفة، بما فيها نماذج أوروبية الصنع.

3. إعادة التصدير عبر وسطاء: تُعتبر عملية “إعادة التصدير” واحدة من أكثر الطرق شيوعًا لوصول الأسلحة إلى مناطق النزاع. حيث تُباع الأسلحة لدولة معيّنة باعتبارها “المستخدم النهائي”، ثم يجري تحويل جزء من تلك الشحنات إلى جهة ثالثة، خارج إطار الرقابة الرسمية.

ويُرجَّح أن بعض الأسلحة الألمانية دخلت هذا النوع من المسار غير الشرعي قبل أن تتسرّب إلى الدع-م الس-ريع.

 

مخزونات قديمة.. جزء من القصة؟:

 

يشير باحثون إلى أن وجود أسلحة ألمانية في السودان ليس أمرًا جديدًا، فالدولة استخدمت سابقًا بنادق G3 وغيرها من الأسلحة الأوروبية منذ السبعينيات، ما يعني أن جزءًا مما يظهر اليوم ربما يعود إلى مخزونات قديمة جرى إعادة تدويرها خلال الحرب الحالية.

لكن هذا التفسير لا يشمل نماذج متقدمة مثل G36C، التي يُعتقد أنها دخلت المنطقة خلال السنوات الأخيرة عبر قنوات غير رسمية.

 

ثغرات الرقابة الدولية:

 

تكشف التقارير الحقوقية أن أنظمة الرقابة على صادرات السلاح — خاصة في المنطقة — تعاني من ثغرات كبيرة، على رأسها:

– ضعف نظام تتبع “شهادة المستخدم النهائي”.

– وجود أسواق سوداء نشطة في ليبيا ومنطقة الساحل.

– قدرة الدعم السريع المالية على شراء السلاح عبر شبكات الذهب والموارد الطبيعية.

– وجود وسطاء دوليين يعملون خارج رقابة الحكومات.

وتُحذر منظمات دولية مثل العفو الدولية من أن عدم ضبط حركة السلاح يساهم في إطالة أمد الحرب ويزيد من معدلات الانتهاكات بحق المدنيين.

 

بين الإنكار الألماني والواقع في الميدان:

 

تصرّ السلطات الألمانية والشركات المصنِّعة على عدم بيعها أسلحة لأي جهة سودانية أو لأي دولة قد تعيد تصديرها بشكل غير مشروع، لكن ظهور أسلحة ألمانية الصنع في يد قوات الد-عم الس-ريع يعيد فتح النقاش حول؛ مدى فعالية القيود الأوروبية على صادرات السلاح، ومدى مراقبة انتقال الأسلحة بعد مغادرتها بلد المنشأ، ومسؤولية الدول التي تمثل محطات عبور.

 

أسئلة بلا إجابات نهائية:

 

حتى الآن، لا يوجد دليل قاطع يثبت مسارًا محددًا لوصول السلاح الألماني إلى الدع-م الس-ريع، لكن التقارير المتراكمة ترسم صورة متكاملة لشبكة متعددة الأطراف، تشمل دولًا وشبكات تهريب وتجار سلاح تحركهم الأرباح.

 

وتبقى الحقيقة الأبرز أن تدفق السلاح إلى المليشيات غير النظامية — أيًا كان مصدره — يواصل تغذية واحدة من أكثر الحروب دموية في المنطقة، وسط غياب ضوابط دولية فاعلة قادرة على وقف انزلاق السودان نحو مزيد من الفوضى.

المصدر.. الطابية

زر الذهاب إلى الأعلى