تقارير وحوارات

من الورقي إلى الرقمي.. كيف أعادت الحرب تشكيل الإعلام السوداني؟

الخرطوم| الان نيوز

تقرير: رندا عبدالله

مع دوي أصوات المدافع في العاصمة السودانية الخرطوم، قبل عامين، توقفت أكثر من عشرين صحيفة عن الصدور، فيما خبت أضواء استوديوهات البث وقنوات التلفزة وجل الموجات العاملة، ليجد الصحفيون السودانيون أنفسهم أمام واقع جديد، حيث فرضت منصات التواصل الاجتماعي نفسها كبديل مثير للجدل.

رندا علي

وفي غضون أسابيع، وبخلاف الجرائد اليومية، توقفت “17” إذاعة “إف إم”، وأغلقت قنوات تلفزيونية خاصة أبوابها، مثلما توقفت وكالة الأنباء الرسمية مؤقتاً. صور الدمار الذي لحق بمكاتب صحف عريقة مثل “أخبار اليوم” و”التيار” انتشرت على الإنترنت، شاهدة على حجم الكارثة.

وعندما استنطقت “مداميك” ياسر أبو شمال، مدير إذاعة “هلا”، حول حجم الدمار الذي لحق بمؤسسته رد بالقول: “لم يقتصر الأمر على التحطيم، بل اندلع حريق أتى على المبنى بأكمله. فقدنا كل شيء: الأجهزة، المعلومات، والأرشيف. رسالتنا الإعلامية توقفت تماماً”.

هذا الانهيار لم يكن مادياً فقط، بل كان إنسانياً أيضاً. بحسب محمد عبد العزيز، سكرتير نقابة الصحفيين فإن نحو 90 في المئة من عضوية النقابة فقدوا وظائفهم، فيما تشرد نصفهم بين ديار النزوح ودياسبورا الشتات في أنحاء الإقليم، ليواجهوا مصيراً مجهولاً شأنهم شأن ملايين السودانيين.

وإثر الفراغ الناجم عن غياب الإعلام المؤسسي، بزغ نجم ظاهرة “اللايفاتية”، وهم ناشطون في الميديا الجديدة وجدوا في خاصية البث المباشر على “فيسبوك” وغيره مساحة لنقل الأخبار والتعبير عن آرائهم.

وفي وقت قياسي حصد هؤلاء مئات الآلاف من المتابعين، فيما تحول بعضهم إلى أصوات مؤثرة، قادرة أحياناً على التأثير في القرارات الحكومية والعسكرية.

وبات الكثير من السودانيين اليوم على دراية كاملة ومعرفة بصفحات مثل “خال الغلابة” الذي يتابعه زهاء “369” ألف حساب على منصة فيسبوك، وهشام عباس “193” ألف متابع، فيما يتابع الناشط السياسي الشريف الحامدابى قرابة “163” الف شخص، و سجلت صفحة الناشط السياسي محمد الحسن البوشي حوالى “159” الف متابع، وبلغ عدد متابعي عزام عبدالله نحو”82″ الف متابع، أما متابعات عبدالرحمن عمسيب فحوالي “43” الفا. هذه الأسماء وغيرها أضحت اليوم مصدراً رئيسياً للمعلومات للكثير من السودانيين، وللمهتمين من محترفي أجهزة التقاط المعلومات من المصادر المفتوحة في الإقليم وأرجاء العالم.

ويقرّ الناشط الإعلامي عزام عبد الله بأن “غياب الإعلام الرسمي الذي ينقل الحقائق دفع الناس للبحث عن بدائل”. ويشير عزام في حديثه لـ”مداميك” إلى أن هذه الظاهرة تكرار لما حدث في ثورة ديسمبر، حينما أصبح “اللايف” هو المصدر الأول للأخبار. لكن هذا الصعود لم يأت دون محاذير؛ إذ يرى الصحفي محمد عبد العزيز خلال إفاداته التي خصّ بها “مداميك” أن هذا “الجهد الفردي” يفتقر إلى الاحترافية، وقد يتحول إلى أداة للتضليل وخطاب الكراهية، قائلاً: “إذا خالف البث هذه المعايير، قد يندرج ضمن جرائم الحرب، أسوة بما فعلته إذاعة التلال في رواندا”.

وبالنسبة للصحفيين الذين نجوا بأرواحهم، فقد كانت هناك معركة من نوع آخر في انتظارهم. يقول الصحفي عمر دمباي لـ”مداميك” إن النزوح القسري أفقدهم أبسط أدوات العمل، مشيرا إلى أن “الإنترنت الجيد، الكهرباء المستقرة، والهدوء الملائم للكتابة لم تعد متوفرة”.

دمباي ليس وحده إذ تشاركه الصحفية “مياه النيل” نفس المعاناة، مذكرة بصعوبة الوصول إلى مصادر موثوقة في بيئة يسودها انعدام الثقة والمخاطر الأمنية.

من جهته يرى الصحفي عثمان الطاهر أن الصعوبات ليست تقنية ولوجستية فقط، فالآثار النفسية أيضا “لا يمكن تجاهلها”، حسبما يقول لـ”مداميك”، بينما شكل فقدان مقار العمل وممارسة المهنة “فقداناً للشغف”، بتعبيره، وهو ما أدى إلى تدهور الأوضاع المعيشية للصحفيين الذين فقدوا مصدر رزقهم الوحيد.

وفي خضم هذه التحولات، يبرز سؤال حول مستقبل الصحافة السودانية، إذ يرى عاصم البلال، الشريك الناشر في مؤسسة “أخبار اليوم” للطباعة والنشر، أن عودة الصحافة الورقية “صعبة جداً”، مشيراً خلال مداخلة مع “مداميك” إلى أن تكاليفها كانت باهظة حتى قبل الحرب. ويضيف: “المنصات الرقمية هي السائدة الآن، وأي محاولة لإعادة تأسيس الصحف الورقية ستكون رمزية وجزئية ما لم تحدث مفاجآت كبرى”.

ويتفق عثمان ميرغني، ناشر صحيفة “التيار”، مع رأي سلفه، مؤكدا أن العودة لمقر صحيفته القديم “غير ممكنة” بعد تدميره بالكامل. ويشير ميرغني الذي استنطقته “مداميك” إلى أنه؛ وعلى الرغم من محاولات إعادة تأهيل المطابع، فإن عقبات مثل انقطاع الكهرباء والتكاليف الباهظة للمولدات تجعل المهمة شبه مستحيلة.

لكن دمباي، وخلافا للكهرباء ومقار الصحف والمطابع، يرى أن أبرز التغييرات التي طالت صحافة البلاد بعد الحرب، تتمثل في “انقسام الإعلام، حيث بات كل طرف يسعى للانتصار لرؤيته، بعدما كان الهدف المشترك هو البحث عن الحقيقة”.

زر الذهاب إلى الأعلى