
تقرير: عبد القادر الحيمي باحث في شؤون القرن الافريقي
الحدود الشرقية صارت احد اكثر العوامل المقوضة للامن القومي وتشكل مخاطر عالية كمهدد مآثل عالي الخطورة ، فقد كانت ولا تزال احد ابرز المحطات الأساسية لعبور الاثيوبيين والصوماليين إلى أروبا عبر ليبيا بواسطة شبكات تجارة البشر. كما أن الحرب التي تدور منذ خمسة سنوات بين قوات الأمهرة والحكومة الفيدرالية الاثيوبية أدت معطياتها لانتشار تجارة السلاح وظهور شبكات منظمة تهرب السلاح عبر الحدود إلى إثيوبيا لتغذية الحرب.
تطورات الحرب في إقليم امهرا والحاجة الماسة باستمرار إلى الأسلحة والذخائر دفعت الاثيوبيين إلى زراعة مخدر ” الشاشمني” في مساحات ضخمة من الهكتارات لا تقل عن ١٥ الف هكتار في الشريط الحدودي بالفشقة لتمويل الحرب التي يخوضونها ضد حكومة ابي أحمد.
الفشقة تنقسم إلى ثلاثة أقسام، الفشقة الكبرى، والفشقة الصغري، بالإضافة للجزء الذي تحتله إثيوبيا ويقع في الفشقة الصغري ويطلق عليه اسم ” الشريط الحدودي”. لقد حول الامهرة المشاريع المحتلة التابعة لمواطنين سودانيين وكانت تزرع فيها الذرة والسمسم والقطن الخ… إلى مشاريع زراعية تنتج مخدر الشاشمني.
“شاشمني” مدينة معروفة في إثيوبيا في مقاطعة ” أرسى” الغربية في إقليم اوروميا وتقع المدينة جنوب أديس أبابا ٢٣٠ كيلومتر على الطريق القاري أديس أبابا كيب تاون . وهي مدينة معروفة كمركز ثقافي وتاريخي ولم يرتبط اسمها بأي نوع من انواع النباتات، إذ يبدو هناك خلط بين اسم المدينة والنبات ولو المقصود هو نبات آخر مثل القنب فزراعته تنتشر في معظم أنحاء العالم.
المدينة اسمها الرسمي ” شاشامن ” وتلقب باسم شاشه والنبتة التي يطلق عليها في السودان اسم شاشمني او الشاش اسمها الأصلي في إثيوبيا هو ( أدنزاش أيز) أو ( قونجا) في بعض المناطق الأخرى.
ارتبطت مدينة ” شاشمين” بديانة ” الراستفاريا ” الوثنية ولايمكن الحديث عن الشاش بدون التتطرق باختصار لتلك الديانه الوثنية لارتباطهما الوثيق، إذ أن تدخين الشاش في جلسات جماعية للتأمل الروحاني (مرحلة الإنتشاء ) هو أبرز رموز وطقوس تلك الديانة الوثنية.
الراستفاريا هي حركة ثقافية دينية اجتماعية نشأت في جامايكا في الثلاثينيات بين الطبقات العاملة والمزارعين السود كرد فعل للاستعمار البريطاني أسسها الناشط الأسود – ماركوس غارفي الذي كان يتحدث عن نبوءة تتحدث عن تتويج ملك أفريقي – .فقد قال قبل ذلك بعقد كامل لأتباعه عام 1920 إن عليهم “التطلع لإفريقيا عندما يتوج بها ملك أسود حيث يصير يوم الخلاص في متناول اليد”. لذلك يعتقدون أن الإمبراطور الإثيوبي هيلي سيلاسي والذي توج في العام ١٩٣٠ امبراطورا إله أو تجسيدللاله (جاه Jah). عقيدتهم المركزية : الإيمان الكامل بالاله جاه الذي يسكن جزئيا في جسد كل إنسان. استمدت الراستفاريا اسمها من اسم الإمبراطور قبل تتويجه وهو ” رأس تفرى” رغم أن الإمبراطور يتبع كنيسة التوحيد الارثوذكية الاثيوبية الا انه ركب الموجه وتعاطف معهم وتعتقد الديانة أن الأفارقة هم شعب الله المختار وان إثيوبيا هي أرض الميعاد فمنحهم الإمبراطور أراض في منطقة شاشمين التي هاجر إليها بعض الجمايكيين وقد أسهم مغني الراب الراحل بوب مارلي بموسيقاه في انتشار الرستفاريا عالميا بعد أن اعتنقها فصارت جدائل الشعر “. Dreadlocks” وتدخين الشاش لازمة ثقافية للراستا وهناك كثير من الشباب السودانيين يضعون بدون أن يعرفوا ما تعني ، قطعة من القماش على أيديهم. بالألوان الحمراء الخضراء والذهبية دون أن يعرف معناها وهي رموز الديانه الوثنية. ألوان الراستفاريا مستوحاة من العلم الإثيوبي بالإضافة إلى اللون الاسود. اللون الأخضر يرمز إلى الأرض والطبيعة والأصفر إلى ثروة أفريقيا والأحمر إلى دماء الشهداء والأسود إلى أفريقيا الوطن الأم.
الرستفاريا في السودان تعتبر حركة ثقافية أكثر من كونها روحية بمعنى أنها نمط حياة وثقافة أكثر َمن كونها ديانة وتشمل نمط الملابس الملونة وجدائل الشعر وموسيقى الريقى وتدخين الشاش وفي مظاهرات الثورة ظهر الراستا السودانيين بشعرهم المجدول والألوان الرمزية للرستفاريا ويرفعون صورة المغني بوب مارلي. وقد تعرضوا لقص شعورهم في عهد الرئيس السابق عمر البشير وحاليا نسبة للسلبيات العديدة التي تمثلها تلك الثقافة المستوردة.. بمخاطرها السلبية على المجتمع باباحتها لتدخين الشاش.
رغم أن إثيوبيا هي المنتج الأكبر للشاش الا انه منتشر في نطاق محدود وليس له رواج ومتعاطين كثقافة في إثيوبيا مثل انتشاره المريع في السودان إذ يفضل الشباب الإثيوبي في غالبيتهم بدائل أخرى مثل البيرة والقات والذي انتشر مؤخرا بين الشباب من الجنسين في إثيوبيا. لكن هناك سودانيين يتعاطونه في أديس أبابا وبعضهم يروجونه مع البنقو السوداني في أوساط الجالية كما أن بعض سائقي سيارات الأجرة في أديس أبابا يعرضونه لو استقل سياراتهم احد السودانيين.
في إثيوبيا يعتبر الشاش مخدر ويزرع في الخفاء ويتعرض َمتعاطيه ومروجيه لطائلة القانون، لكن في منطقة شاشمين لأنه منتشر كثقافة تغض السلطات النظر عنه وان كان يتم احيانا الإعلان عن مصادرة كميات كبيرة منه.
لم تعرف إثيوبيا طوال تاريخها الطويل زراعة الشاش ولم تكن موطن لهم، لكن عندما سمح الإمبراطور هيلي سياسي باستيطان بعض معتنقي الراستفاريا من الجمايكيين أراض في إثيوبيا في نهاية وبداية الخمسينيات زرعوا بذور النبته المخدره في شاشمين التي جلبوها معهم من جامايكا .
في الشريط الحدودي هناك كارتل مخدرات إثيوبي ناشئ يتتطور وينمو بسرعه ويزداد حجمه وكميات المخدر الذي ينتجه ويغرق به الاسواق يدعمه عامل مهم ومؤثر وهو خروج سيطرة الحكومة الاثيوبية عن ريف إقليم أمهرة نسبة للحرب بين قوات فانو والجيش الحكومي
نتابع باهتمام وقلق ما يحدث في الشريط الحدودي حيث تزداد في كل موسم زراعي المساحات المزروعة شاش تدريجيا وقد بلغت هذا الموسم معدلات عالية وتشكل زراعة الشاش موردا مهما وحيويا لفانو لتمويل حربها التي تخوضها مما أدى لانتشار وانتعاش شبكات تهريب السلاح والتي تقايضه مقابل الشاش، وتغرق به الأسواق السودانية وتصدر كميات أكبر إلى مصر وليبيا عبر شبكات التهريب التي تنشط وتتسلل عبر الفشقة الكبرى وولاية كسلا.
انتشار زراعة الشاش، يمثل تهديد امني مباشر بكل المقاييس ويدمر الشباب السوداني من الجنسين ويضع تحديات واعبآء إضافية لحكومة الولاية وتحديدا لسلطات مكافحة المخدرات بولاية القضارف والتي تقوم بجهود كبيرة ومقدرة تفوق إمكانياتها حسب متابعتنا لها سواء حملاتها للتصدي على شبكات التهريب والمروجين أو بالدور المجتمعي الذي تقوم به في مدارس الأساس و منابر الولاية بالتوعية بأضرار المخدرات والتعريف بأنواعها وطرق ترويجها .
تشكل المستوطنات الاثيوبية ” كتر آند” و” خور عمر” و” أديس ألم” إلخ وكلها تقع داخل الشريط الحدودي المحتل ويقطنها الأمهرة، مناطق زراعة الشاش والتي بدأ معظم المزارعين الاثيوبيين في التحول إليه بدلا من زراعة الذرة والسمسم والقطن الخ لقلة تكلفة الإنتاج وسرعة إنتاجه إذ يتطلب ٩٠ يوما فقط لحصاده وعائداته العالية المضمونه. وحصاده يتم عادة في نهاية شهر أكتوبر.
في تلك المستوطنات يتم تجهيز الشاش وإعداده للتهريب إلى السودان ومصر وليبيا.
على صعيد آخر، تعتبر قرية 8 السودانية محطة مهمة لشبكات التهريب الذي تقوم به عصابات من الرشايدة في معظمها لإيصال الشاش إلى داخل السودان و مصر وليبيا بمساعدة شبكات من عصابات من اثنيات سودانية أخرى تقوم بتهريب المخدرات عبر فيافي الفشقة الكبرى الواسعة وغير المأهولة. ويقايض الأمهرة الشاش مقابل الأسلحة والذخائر.
نحن ندق ناقوس الخطر بكل قوة لحكومة الولاية واتحاد المزارعين إذ يجب تجفيف منابع الشاش في الشريط الحدودي وتدمير المناطق المزروعة وحرقها لئلا تنتشر زراعته لسرعة عمليات إنتاجه وقلة تكلفته وارتفاع عائداته بدلا من زراعة المحاصيل النقدية والتي تمثل الأمن الغذائي لسكان البلاد فهناك احتمالات انتشار زراعته في الفشقة بأكملها . يجب ألا تكون الفشقة لإنتاج الشاش عن منطقة الردوم بجنوب دارفور والتي تعد المركز الرئيس لإنتاج البنقو والتي توقفت عن رفد الاسواق بالمخدر بسبب الحرب. كما لايجب أن يكون السودان معبرا لتجارة الشاش وتجارة البشر.

