طبيبة امراض النساء والتوليد دكتورة عبير محمد حسين في قبضة الآن نيوز بحوار الصراحة والشفافية
الخرطوم| الآن نيوز

حوار: بدور مبارك
في ظل الحروب والنزاعات التي تعصف بالسودان، يبرز دور الأطباء كخط الدفاع الأخير في وجه الموت، لا سيما أطباء النساء والتوليد، الذين يحملون على عاتقهم مسؤولية الحفاظ على الحياة عند بدايتها، في أحلك الظروف وأقساها.تُعد تخصصات النساء والتوليد من أهم ركائز النظام الصحي، ليس فقط لإنقاذ الأرواح، بل لدورها المحوري في تقديم الرعاية الصحية للمرأة في جميع مراحل حياتها. ومع اشتداد الأزمات، يتضاعف العبء، وتتحول عيادات الولادة إلى ساحات للصمود الإنساني، كما حدث مع الدكتورة عبير محمد حسين، أخصائية أمراض النساء والتوليد، التي اختارت البقاء في الميدان رغم الخطر، لتكتب سيرة استثنائية من التضحية والعمل الطبي في زمن الحرب الآن نيوز اجرت معها الحوار التالي
حوار: يدور المبارك
▪ نبذة تعريفية عنك؟
أنا الدكتورة عبير محمد حسين عمر، من مواليد القولد بالولاية الشمالية. حصلت على بكالوريوس الطب والجراحة من جامعة الخرطوم، وتخصصت في أمراض النساء والتوليد عبر مجلس التخصصات الطبية السوداني. متزوجة وأم لطفلين، وكنا نقيم في منطقة اللاماب بالخرطوم قبل اندلاع الحرب.
▪ كيف بدأت رحلة النزوح؟
مع اندلاع الحرب، نزحنا أولاً إلى مدينة القطينة، ثم اضطررنا إلى النزوح مجددًا إلى ود النورة بعد سيطرة قوات الدعم السريع على القطينة. عملتُ خلال تلك الفترة في مستشفى ود النورة، وكان ذلك قبل رمضان 2024 بنحو شهر.
▪ كيف كان الوضع الأمني في ود النورة آنذاك؟
في البداية كان الوضع طبيعيًا، لكن سرعان ما بدأت تظهر مجموعات مسلحة من الدعم السريع تقوم بعمليات نهب في السوق، خاصة أيام الاثنين والخميس. تصدى أهل المنطقة لهم في إحدى المرات، وتحسّن الوضع مؤقتًا… حتى فجر الأربعاء 5 يونيو، حين استيقظنا على دوي المدافع والرصاص، وانتشر أفراد الدعم السريع في الشوارع، ودخلوا المنازل.
▪ هل اقتحموا منزلكم؟
نعم، اقتحمت منزلنا ثلاث مجموعات، كل منها مكوّنة من ثلاثة أفراد. قاموا بنهب المال، وهاتف، وطلبوا الذهب مهددين بالسلاح، لكن عناية الله أنقذتنا منهم.
“يا دكتورة افتحي بطني بسكين”: ولادة تحت النيران
▪ هناك قصة متداولة أنك أنقذتِ سيدة من الموت أثناء المعارك.. هل هذا صحيح؟
نعم، أتتني سيدة في حالة مخاض شديدة، وأنا بلا معدات طبية، حتى جهاز الكشف لم يكن معي. توسلت إليّ قائلة: “يا دكتورة بالله ريحيني، افتحي بطني بسكين”. لم أتحمل صراخها، فاستعنت بكيس بلاستيكي للكشف عليها، وتبيّن أن الولادة الطبيعية مستحيلة.
▪ وكيف تعاملتِ مع الحالة وسط هذه الفوضى؟
كانت أصعب لحظات حياتي… طلق نيران مستمر، صراخ، بكاء، جثث في الطرقات. اتصلت بالقابلة عفاف، وتمكّنا من نقل السيدة إلى المستشفى، رغم أن مساعد العمليات “محمد بلال” كان قد استشهد. أجريت العملية بمساعدة طبيب امتياز فقد والده واثنين من أقاربه ذلك اليوم. أنقذنا الأم، لكن الطفل لم ينجُ. رغم الحزن، احتسبته الأسرة ودعوا لنا بخير.
“الخوف لم يكن على نفسي فقط.. بل على من قد تحتاجني بعد”
▪ كيف غادرتِ ود النورة؟
في اليوم التالي، بعد ساعات عصيبة من الهروب بين البيوت خوفًا من الدعم السريع، بدأنا رحلة نزوح جديدة في منتصف الليل. استغرقت أكثر من أسبوع حتى وصلنا إلى القولد.
▪ متى عدتِ لممارسة عملك؟
عدت إلى ود النورة في يناير 2025، حيث بدأت الحياة تعود تدريجيًا. افتتحت عملي بمركز “أولاد حجاز” يوم 13 يناير، رغم تحفّظ أسرتي بسبب استمرار وجود الدعم السريع
تدوينات الموت واستمرار الرسالة
▪ هل استقر الوضع بعد العودة؟
للأسف، بعد يومين فقط من عودتي بدأ التدوين مجددًا، ثم أصبح شبه يومي. مع كل هجمة، كانت النساء تنزحن، والمركز يفرغ تدريجيًا من المرضى.
▪ متى تحررت المنطقة؟
استمر التدهور الأمني حتى ما قبل رمضان، ثم تحررت القطينة، وبدأت الأمور تهدأ تدريجيًا.
خاتمة:
قصة الدكتورة عبير محمد حسين ليست مجرد شهادة عن الحرب، بل درس في الإنسانية والمهنية والشجاعة. وسط الفوضى والرصاص، قررت أن تبقى إلى جانب من يحتاجها، متجاوزةً الألم والخوف والدموع… لتكون صوتًا للحياة في زمن الموت.

