“العفو العام في السودان” بين سلطة الدولة وحقوق المتضررين

تقرير: مي علي آدم ………. أصدر الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة، قراراً بالعفو العام عن العناصر التي سلّمت نفسها طواعية بعد التمرد، في خطوة هدفت لكسر دائرة القتال وفتح باب العودة أمام من يختارون نبذ السلاح. القرار أثار موجة انتقادات حادة من جهات قانونية وحقوقية ومواطنين رأوا فيه تجاوزاً لحقوق المتضررين، في المقابل دافع آخرون عنه باعتباره ضرورة سياسية وأمنية لإنهاء النزاع.
وبحسب قراءة قانونية أعدها وكيل أعلى النيابة عوض حميدة عبد الله، فإن العفو في المنظور الإسلامي ليس مجرد تنازل، بل قيمة تقوم على الإصلاح وتقديم المصلحة العامة على دوافع الانتقام. القرآن والسنة رغّبا في العفو عند المقدرة، وجعلاه وسيلة لحقن الدماء واستقرار المجتمع، مع التشديد على أن حقوق العباد لا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء.
وعلى المستوى القانوني، منح قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م في مادته 211 لرئيس الدولة سلطة إصدار عفو عام عن أي اشتباه أو اتهام أو جريمة قبل صدور حكم نهائي فيها، باستثناء جرائم الحدود. ويصدر القرار بعد التشاور مع النائب العام، ويترتب عليه وقف الملاحقة الجنائية وإزالة الوصف الجنائي عن الفعل المشمول.
من يشملهم القرار ومن يستثنيهم
القرار الأخير لم يكن مفتوحاً للجميع. فقد قُصر على من تركوا السلاح بإرادتهم الحرة، وسلموا أنفسهم طواعية للقوات المسلحة، وأعلنوا نبذ القتال والانضمام للدولة.
أما من تم القبض عليهم أثناء العمليات أو أجبروا على الاستسلام، فلا يدخلون في نطاق العفو لانتفاء شرط الاختيار. كما أن المتعاونين والمعاونين للقوات المتمردة من غير المقاتلين لا يشملهم القرار تلقائياً، وتبقى مسؤوليتهم خاضعة للقانون الجنائي العام ما لم يصدر نص خاص بشأنهم.
أثر العفو على الدعوى الجنائية والحقوق الخاصة
بمجرد انطباق شروط العفو، تلتزم النيابة والمحكمة بوقف الدعوى الجنائية أو عدم فتحها أصلاً، لأن العفو يزيل الوصف الجنائي عن الفعل ويمنع مساءلة مرتكبه جنائياً. والأثر هنا لا يتقيد بزمن صدور القرار، بل يشمل كل من استوفى الشروط حتى لو سلّم نفسه لاحقاً.
لكن النقطة الجوهرية التي أكدها التقرير هي أن العفو لا يمس الحقوق الخاصة. فالمطالبة برد الأموال، والتعويض، والدية، والأرش، تظل قائمة أمام المحاكم المدنية. والسبب أن هذه الحقوق مملوكة للأفراد، والقاعدة الشرعية والقانونية مستقرة على أن حقوق العباد لا تسقط إلا بالتنازل الصريح أو الوفاء.
حدود العفو: جنائياً نعم، مدنياً لا
سلطة رئيس الدولة في إصدار العفو العام سلطة سيادية تهدف لمعالجة الظروف الاستثنائية، وتشجيع من يتركون القتال على العودة للمجتمع، وحفظ وحدة النسيج الاجتماعي.
ومع ذلك، فإن هذا المسار لا يعني إهدار حقوق المتضررين. فالعفو يوقف الملاحقة الجنائية باعتبارها حقاً للدولة، لكنه يترك الباب مفتوحاً أمام أصحاب الحقوق الخاصة للمطالبة بها قضائياً حتى يتم الفصل فيها.
بهذا التقسيم يسعى القرار لتحقيق هدفين معاً: إنهاء النزاع المسلح من جهة، وصون حقوق الأفراد من جهة أخرى.

