الشرطة تعيد هندسة خطاب المرور: “تمهل.. نحن بانتظارك” شعار يضع الإنسان قبل المخالفة
الخرطوم | الآن نيوز

تقرير: مي علي آدم………بمفردات خرجت من قوالب الخطب المحفوظة، أعلن المدير العام لقوات الشرطة الفريق أول شرطة حقوقي أمير عبدالمنعم فضل انطلاقة أسبوع المرور العربي 2026، واضعاً “الإنسان” في صدارة المشهد المروري للمرة الأولى بهذا الوضوح.
*من لغة الردع إلى منطق الشراكة*
شعار هذا العام *”تمهل.. نحن بانتظارك”* ليس جملة عابرة. هو تحوّل كامل في فلسفة الخطاب الشرطي. الفريق أول أمير عبدالمنعم نزع عن السلامة المرورية صفة “الإجراء العقابي” وزرعها في أرض “المسؤولية الوطنية المشتركة”.
في كلمته اليوم الإثنين، ربط المدير العام بين توقيت الأسبوع و”انفتاح البلاد على البناء والتعمير”، في رسالة ضمنية مفادها: الطرق الجديدة لا تحميها الأسفلت وحده، بل وعي مستخدميها.
خاطب السائق مباشرة بلغة تخترق الدفاعات النفسية: “المقود أمانة غالية، وثواني الاستعجال لا توازي لحظة ألم تصيب قلباً ينتظرك”. هنا يتحول الخطاب من تهديد بالمخالفة إلى تذكير بفاتورة إنسانية يدفعها الأهل أولاً.
*المعادلة الجديدة: التقنية وسيلة.. والإنسان غاية*
ثمة تغيير جوهري في أولويات الشرطة. الفريق أول أمير عبدالمنعم أعلن بوضوح أن “جهد تطوير المنظومة المرورية سيبقى مستمراً”، لكنه حدد البوصلة: “التطور التقني سلاحنا والإنسان غايتنا حتى يكتمل النصر وتظل بلادنا آمنة مطمئنة”.
هذا يعني أن المرحلة القادمة ستشهد توظيفاً أكبر للأدوات الحديثة في الضبط المروري، لكن مع الإبقاء على “حياة المواطن” كهدف لا يقبل المساومة. الشعار نفسه “نحن بانتظارك” يضع الشرطة في موقع الشريك الذي ينتظر عودة المواطن سالماً، لا الشرطي الذي ينتظره عند الإشارة لتحرير مخالفة.
*تحية الميدان: الاعتراف بالجبهة الصامتة*
اللافت في الخطاب هو تخصيص مساحة كبيرة لمنسوبي المرور “المرابطين في كل ولايات السودان”. وصفهم المدير العام بأنهم “واصلوا الليل بالنهار لتبقى هيبة الدولة حاضرة في كل تفاصيل الخدمة”. هذه الإشارة تكتسب أهمية في ظل ثلاث سنوات من الحرب أثرت على حضور الدولة في الشارع.
*السياق: لماذا الآن؟*
توقيت هذا الخطاب ليس بريئاً. البلاد تخرج من حرب وتدخل مرحلة إعادة إعمار. شبكة الطرق واحدة من أسرع الملفات التي تتم إعادة تأهيلها. لكن الحوادث المرورية تمثل “حرباً يومية صامتة” تحصد الأرواح. لذلك جاءت رسالة الشرطة استباقية: البناء لا يكتمل إلا بانضباط السلوك.
شرطة المرور هذا العام لا تطلب من السائق “الالتزام بالقانون” فقط. تطلب منه أن يرى في كل إشارة حمراء وجه أمه، زوجته، طفله.. ينتظرونه. لهذا قالتها ببساطة مخيفة: *تمهل.. نحن بانتظارك*.

