كتاب رائ وعالمية

ابو زينب يكتب.. جهاز المخابرات العامة.. لا تجعلوا الذهب يفقد بريقه

الخرطوم| الآن نيوز

في لحظة مفصلية من تاريخ وطننا، حين تتداخل المصاعب وتتسارع المتغيرات، يقف جهاز المخابرات العامة كحارس صامت يؤمن للشعب متنفس الأمان. لا يحتاج من يقرأ عنه إلى شعارات فارغة أو بيانات مزخرفة ليفهم دوره؛ يكفي أن يرى أثره عندما تهدأ المدينة بعد ليلة عنف، أو حين يعود تاجر إلى منزله بعد أن أُحبط مخطط تهريب كان سيحطم مصدر رزق آلاف الأسر. هذا الجهاز ليس مجرد مؤسسة — إنه ضمير الدولة النابض، وعصاها الحازمة أمام كل من يريد المساس بسيادتها وثرواتها.

 

الذهب في السودان أكثر من معدن؛ هو أمل مستقبلي، هو طاقة اقتصادية يمكن أن تعيد بناء المدارس والمستشفيات والطرق، وهو مقياس لكرامة الدولة. لكن هذا الأمل معرض لأن يتحول إلى كارثة حين تُستنزف الثروات بطرق غير مشروعة، أو حين تُسفَر الموارد إلى الخارج بطرق مريبة تغذي الفوضى وتموّل من يعمل على تدمير الوطن من الداخل. هنا تظهر أهمية المخابرات العامة: ليست مهمتها محصورة في التعقب والقبض، بل تمتد إلى حماية النبض الاقتصادي للدولة، إلى حراسة ما يجب أن يبقى للسودان وشعبه.

 

ما حققه الجهاز خلال الفترات الماضية ليس أمراً بسيطاً يُغفل. بين تفكيك خلايا إرهابية، وكشف شبكات تجسس، وإحباط عمليات تهريب معقدة، ظهر وجه جهاز قوي يعلم كيف يقرأ خريطة التهديدات ويعمل عليها بحنكة وعقلانية. هذه النجاحات لم تأتِ بعصا سحرية، بل بجهد مُنظَّم، بتنسيق مع جهات قضائية وأمنية أخرى، وبشبكة من المعلومات التي لا تتوقف عن العمل ليلاً ونهاراً. إن رؤية المواطن لنتائج هذا العمل — استقرار في أسواق، أمن في طرقات، حماية لمواطنين — هي الدليل الأقوى على أن للمخابرات دوراً جوهرياً لا غنى عنه.

 

لكن الحديث عن إنجازات لا يعني الغياب عن التحديات. التهريب اليوم يملك وجوهاً متعددة: سماسرة محليون، شبكات إقليمية، أحياناً تغطية إدارية أو سياسية تمنح مَن وراء الجريمة غطاءً مؤقتاً. لذلك فإن المعركة ضد تهريب الذهب ليست معركة ميدانية فقط؛ إنها معركة استخبارية واقتصادية وقانونية. المطلوب أن يُعطى الجهاز الصلاحيات اللازمة للعمل بمرونة وفاعلية، وأن تتوفر له الأدوات القانونية والتقنية التي تجعله قادراً على كشف شبكة العلاقات وراء كل عملية تهريب — من الحفرة في الصحراء إلى المكتب في العاصمة.

 

لا بد من تحول في النهج: من رد الفعل إلى الاستباق. الاستخبارات الفاعلة لا تنتظر البلاغات لتتحرك، بل تبني شبكات إنذار مبكر، تتابع الخيوط قبل أن تتشابك، وتضرب حيث تتنفس الجريمة. هذا يتطلب تفعيل تعاون بين السلطات، تحديث آليات المتابعة على حدودنا، وتعزيز قدرات التحليل الاستخباري بأنظمة رقمية حديثة قادرة على الربط بين بيانات تبدو في ظاهرها غير مرتبطة. كذلك لا يزال للوعي المجتمعي دور؛ فحين يصبح حماية الثروة الوطنية قيمة عامة يتشاركها المواطنون، تقل مساحات المنافذ المتاحة للمهربين.

 

أُكرر: الحرب على تهريب الذهب ليست أقل خطورة من الحرب على الإرهاب. المال هو الدم الذي يغذي آلات الفوضى. من يمول الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية لا يقل خطورة عن من يحمل السلاح. ولهذا، يجب أن تتوافر للمخابرات أدوات قانونية حاسمة: متابعة الحسابات، مراقبة المعاملات عبر الحدود، التعاون الدولي لتجميد أصول، وملاحقة سماسرة المال بكل حزم. من دون ذلك، تظل الجهود متناثرة، ويفقد المواطن الثقة بأن موارد بلاده ستُستخدم لصالحه.

 

في هذا السياق، ندعو إلى ثقة واعية بالمخابرات العامة وتفويض مسؤول، مصحوب بمراقبة مؤسساتية، تضمن الشفافية والمساءلة. التفويض لا يعني استسلاماً للسلطة المطلقة، بل تمكين الجهاز من أداء مهمته الوطنية بكفاءة، مع آليات رقابية تمنع التجاوزات وتضمن أن يبقى العمل في إطار القانون وخدمة للمصلحة العامة. الثقة المطلوبة هي ثقة تقوم على نتائج ملموسة وحماية لحقوق المواطنين ومواردهم.

 

إن قصة السودان مع الذهب يمكن أن تكون قصة نهضة. لكن هذا لن يتحقق إلا إذا كانت العزيمة متوفرة لدى من يملكون زمام الأمور، وإذا وُضعت سياسات ذكية تُحوّل الثروة إلى تنمية مستدامة بدل أن تتحول إلى وسيلة للنهب والفرقة. المخابرات العامة، بعمق خبرتها وتفاني أبنائها، قادرة على أن تكون المحور الذي تُبنى حوله استراتيجية الدفاع عن الثروة الوطنية. لكن عليها أن تعمل بحرية فاعلة، وبدعم حقيقي، وبإسناد مؤسسي واضح.

 

ختاماً: لا تجعلوا الذهب يفقد بريقه، فبريقه يعكس بريق الوطن. حماية هذا المورد ليست خياراً اقتصادياً فقط، بل واجب وطني، ودرس في الكرامة. والمخابرات العامة، بعقولها المدربة وضمائر أبنائها المخلصين، تستحق أن تكون في مقدمة هذه المعركة، لأن انتصارها هو انتصار لكل سوداني وسودانية يطمحون لوطن قوي، آمن، مزدهر.

 

زر الذهاب إلى الأعلى