عدسة الموت.. هكذا وثّق الإعلامي عبد الغفار بنباني لحظات الرعب في معركة الكرامة؟
الخرطوم| الآن نيوز

في الأزمات الكبرى التي تهدد بقاء الأوطان، يبرز دائمًا أولئك الذين يختارون الوقوف في خط النار دفاعًا عن الحقيقة، حاملين أقلامهم وعدساتهم كأنها سلاح لا يقل شأنًا عن البندقية. ومن بين هذه الأسماء التي صنعت حضورًا استثنائيًا في ملحمة السودان الأخيرة، يتصدر الإعلامي والمصور عبد الغفار بنباني، الذي ارتبط اسمه بصدق الكلمة ونقاء الرسالة، حتى غدا “عدسة الحقيقة” و”صوت الوطن” في معركة الكرامة.
الإعلام جبهة موازية
لم تكن حرب الكرامة التي اندلعت في 15 أبريل 2023 مجرّد صراع عسكري بين القوات المسلحة والمليشيا المتمردة، بل كانت حربًا شاملة امتدت إلى كل ميادين الحياة، بما فيها الإعلام. فقد أدركت الأطراف المتحاربة أن الصورة والكلمة لا تقل أثرًا عن الرصاصة، وأن من يربح معركة الرأي العام يقترب أكثر من كسب المعركة على الأرض. وهنا بزغ نجم عبد الغفار بنباني، الذي كان في مقدمة الصفوف الإعلامية منذ اللحظة الأولى.
البداية من الخرطوم
في صباح الخامس عشر من أبريل، وبينما كانت الخرطوم تضج بأصوات الانفجارات ودوي الرصاص، كان بنباني يقف بجوار المدينة الرياضية، حيث أطلق أول بث مباشر يوثق الأحداث في وقتها الحقيقي. لم ينتظر توجيهات، ولم يتردد في نقل الحقيقة، فكان شاهدًا حيًا على لحظة تاريخية لم يشهدها السودان منذ عقود. لقد منح السودانيين والعالم صورة صادقة من قلب الميدان، ليضع حدًا لأي محاولات للتضليل.
ثبات أمام التشكيك
لكن طريق الحقيقة لم يكن معبّدًا. فقد واجه بنباني حملات تشكيك في وطنيته، ومحاولات لتشويه صورته الإعلامية، غير أن إيمانه برسالته ظل أقوى من كل تلك الضغوط. ظل ثابتًا على موقفه، مؤمنًا بأن الصحافة ليست مجرد وظيفة، بل مسؤولية أخلاقية ووطنية. ومن هنا اكتسب احترام زملائه الإعلاميين وثقة الجمهور، الذين وجدوا فيه صوتًا حرًا يعبّر عنهم ويقف إلى جانبهم.
من الأبيض إلى دارفور
لم يقتصر دور بنباني على الخرطوم، بل تنقّل بين الولايات، متواجدًا في كل محطة وطنية كبرى. ففي مدينة الأبيض، كان صاحب العدسة التي التقطت أولى لحظات النصر للقوات المسلحة، حين دخلت المدينة برفقة نائب القائد العام الفريق أول شمس الدين كباشي، ولجنة الأمن المشتركة والقوات المساندة. ذلك الفيديو الذي صوره سرعان ما تصدّر القنوات الفضائية والإعلام العالمي، ليعلن أن السودان لم يسقط، وأن جيشه لا يزال يفرض حضوره في قلب البلاد.
ولم يكن الأبيض المحطة الوحيدة، فقد جاب بنباني عدداً من ولايات كردفان ودارفور، مشاركًا بكاميرته في الفعاليات الوطنية، وموثقًا لجهود القوات المسلحة والقوى المساندة في دحر التمرد. لقد تحوّلت عدسته إلى شاهد تاريخي، يحفظ للأجيال تفاصيل لم يكن ليعرفها الناس لولا شجاعته ووجوده الميداني.
مواجهة التضليل الخارجي
أحد أبرز أدوار بنباني تمثّل في تصديه لحملات التضليل الإعلامي التي شنّتها المليشيا المتمردة ومن ساندها من الخارج. ففي الوقت الذي كانت تُبث فيه تقارير مغلوطة لتشويه صورة القوات المسلحة، كان بنباني يعرض بالصوت والصورة ما يحدث على الأرض، كاشفًا التناقضات، وموفرًا مادة إعلامية موثوقة اعتمدت عليها مؤسسات صحفية داخلية وخارجية. وبهذا، ساهم في حماية الرأي العام المحلي والدولي من الوقوع ضحية لأكاذيب مدروسة.
شهادة منصات الإعلام
لم يمر جهد بنباني دون تقدير. فقد وصفت منصة صوت بوابة الكون أعماله بأنها “الكلمة الصادقة والصورة المضيئة” التي ستظل شاهدًا على لحظات العزة والكرامة. وقد اعتبرت أن ما وثّقه بعدسته سيبقى إرثًا إعلاميًا للأجيال القادمة، ودليلًا على أن معركة الكرامة لم تكن فقط بالسلاح، بل بالكلمة الصادقة والصورة التي لا تموت.
ابن دارفور الذي أحب السودان كله
ينحدر عبد الغفار بنباني من منطقة كأس بإقليم دارفور، لكنه لم يحصر انتماءه في حدود الجغرافيا. فقد أحب السودان بأسره، من أقصى الشمال إلى أعماق الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب. وفي وقت حاولت فيه المليشيا المتمردة تفتيت النسيج الوطني على أسس جهوية وقبلية، جاء بنباني ليجسد صورة مغايرة تمامًا: سوداني جامع يرى في الوطن بيتًا واحدًا لا يتجزأ. لقد قدّم صورة واقعية لما يجب أن يكون عليه الإعلامي الوطني: ابنًا مخلصًا لكل بقعة من بلاده.
الإعلام سلاح للأمة
إن تجربة بنباني خلال معركة الكرامة تفتح نقاشًا واسعًا حول دور الإعلام في زمن الحروب. فقد أثبت أن الكلمة والصورة يمكن أن توازي في أثرها قصف الطائرات أو تقدم الدبابات. فحين ينجح الإعلامي في بناء رواية صادقة مدعومة بالدلائل البصرية، فإنه يسهم في تثبيت الروح المعنوية للداخل، وفي فضح التضليل أمام الخارج. وهذا بالضبط ما قام به بنباني، الذي لم يكتفِ بالنقل بل صنع رواية وطنية مضادة لرواية المليشيا.
إرث إعلامي خالد
اليوم، وبعد مرور أكثر من عامين على انطلاق معركة الكرامة، لا يزال اسم عبد الغفار بنباني حاضرًا في ذاكرة الإعلاميين والجمهور على السواء. فهو المصور الأكثر تأثيرًا في المناسبات الوطنية، وصاحب الريادة في توثيق البث المباشر الأول من الخرطوم، وناقل مشاهد الانتصار من الأبيض. لقد حفر اسمه في سجل الإعلام الوطني كشخصية استثنائية وظّفت المهنة في خدمة قضية عادلة.
وبينما يواصل الإعلام السوداني أداء رسالته في ظل تحديات جسام، يظل بنباني مثالًا يُحتذى به لجيل جديد من الصحفيين الشباب الذين يدركون أن الحقيقة أغلى من المكاسب الشخصية، وأن الإعلام رسالة وطنية تتطلب الصبر، التضحية، والإخلاص.
خاتمة
رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير لموقع الان نيوز يؤكد إن سيرة عبد الغفار بنباني تمثل شهادة على أن الإعلامي يمكن أن يكون جنديًا في الصفوف الأمامية للمعركة، وأن عدسة واحدة قد تغيّر مسار رواية كاملة. لقد واجه الرجل التشكيك والتضليل، لكنه انتصر بالصدق والإيمان، مسجلًا اسمه في ذاكرة السودان كواحد من أبرز شهود معركة الكرامة. وستبقى أعماله وثيقة بصرية تحكي للأجيال القادمة قصة وطن قاوم بالسلاح والكلمة والصورة حتى كتب لنفسه البقاء.

