“السودان بلا رقيب دستوري” الآن نيوز تجري حوار تاريخي مع الخبير القانوني عادل عبدالغني حول عدد من المواضيع المهمة
الخرطوم | الآن نيوز

تُعد المحكمة الدستورية في السودان إحدى أهم المؤسسات القضائية التي تلعب دورًا حاسمًا في حماية الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين، وضمان دستورية القوانين والتشريعات. ومع ذلك، فإن غياب المحكمة الدستورية لفترة طويلة أدى إلى تراكم العديد من الأحكام الموقوفة والمتنازع عليها، مما أثر سلبًا على العدالة والاستقرار القانوني في البلاد.
أجرت (الآن نيوز) حوارًا مع د. عادل عبد الغني، الخبير القانوني، حول المحكمة الدستورية في السودان، وغيابها وتأثيره على الأحكام الموقوفة والمتراكمة، ودورها في حماية الحقوق والحريات، والأسباب التي أدت إلى تأخير تشكيلها، والحلول الممكنة لمعالجة أزمة الأحكام الموقوفة والمتراكمة أمام المحكمة الدستورية. وخرجت بالحصيلة التالية.
حوار: مي علي آدم
د. عادل عبد الغني: في البدء، حدثنا عن المحكمة الدستورية؟
المحكمة الدستورية هي محكمة مستقلة منصوص عليها في الوثيقة الدستورية وفي قانون المحكمة الدستورية لسنة 2005 وتعديلاته اللاحقة. وهي محكمة منفصلة تمامًا عن السلطة القضائية، وتتكون من تسعة أعضاء من بينهم رئيس المحكمة الدستورية. وبموجب تعديل الوثيقة الدستورية المادة (12)(و)، يتم تعيين رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية بواسطة رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بموجب توصية من مجلس القضاء العالي. ولكن نظرًا لعدم تكوين مجلس القضاء العالي حاليًا، فإنه يتم تعيين رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية بواسطة المجلس السيادي.
ما هي شروط ومؤهلات تعيين قضاة المحكمة الدستورية؟
يشترط في قاضي المحكمة الدستورية ألا يقل عمره عن 40 سنة، وأن يكون شخصًا محمود السيرة والسلوك وذو سمعة جيدة، وألا يكون قد أدين في قضية مخلة بالشرف والأمانة، وأن يكون لديه شهادات في القانون، أقلها البكالوريوس، وأن يكون قد عمل في المهن القانونية، سواء القضاء أو المحاماة أو النيابة أو وزارة العدل، فترة لا تقل عن 20 عامًا. هذه هي شروط تعيين قضاة المحكمة الدستورية.
ما هي اختصاصات المحكمة الدستورية؟
المحكمة الدستورية لها عدة اختصاصات تتعلق بمراقبة التشريع وحماية حقوق الإنسان وتعزيز الحريات الأساسية، وكذلك لها اختصاصات جنائية، وذلك بموجب قانون المحكمة الدستورية لسنة 2005 بتعديلاته، كالآتي: تعتبر المحكمة الدستورية هي حارسة الدستور ودساتير الولايات، وتعتبر الأحكام الصادرة عن المحكمة الدستورية في هذا الشأن نهائية وغير معقب عليها ، وتختص أيضًا بتفسير النصوص الدستورية بناءً على طلب من رئيس المجلس السيادي أو الحكومة القومية أو حكومة أي ولاية أو المجلس الوطني أو مجلس الولايات. كما تختص بالنزاعات التي يحكمها الدستور القومي أو دساتير الولايات، بناءً على طلب من الحكومة أو الجهات المعنية، وكذلك يجوز الاختصام بها بواسطة الجهات الاعتبارية والأفراد. المحكمة الدستورية تختص بحماية وتعزيز حقوق الإنسان وحرياته الأساسية المكفولة وفقًا للدستور. كما تختص بالفصل في دستورية القوانين، بأن تكون متسقة مع الدستور، ولا تناقضه. وأي قانون يخالف الدستور، للمحكمة الدستورية الحق في إعلان بطلان النص فيه وإلغائه. وهي تفصل في دستورية القوانين والنصوص وفقًا لدستور جمهورية السودان ودساتير الولايات.
أيضًا للمحكمة الدستورية الحق في الفصل في المنازعات الدستورية بين مستويات الحكم وأجهزته بشأن الاختصاصات الحصرية أو المشتركة أو المتبقية. فيما يتعلق بالمسائل غير الإدارية، أما بعض المسائل الإدارية المتنازع عليها، فهذا من اختصاص وزير العدل، والفتوى التي يصدرها وزير العدل تعتبر ملزمة لأجهزة الدولة، ولكن في مستوى الاختصاصات والصلاحيات الدستورية، وفي شأن التنازع في هذه الاختصاصات الدستورية والنزاعات الدستورية، تختص بها المحكمة الدستورية.
هل للمحكمة الدستورية اختصاص جنائي؟
للمحكمة الدستورية اختصاص جنائي، وهي الجهة المختصة بمحاكمة رئيس المجلس السيادي ونائب رئيس المجلس السيادي، ولها أيضًا اختصاص جنائي في مواجهة رئيس الهيئة التشريعية إن وجدت، وكذلك رئيس مجلس الولايات ورئيس القضاء وقضاة المحكمة العليا السودانية. ولها اختصاص جنائي في مواجهة هؤلاء الأشخاص. كما أن هناك نصًا عامًا بأن للمحكمة الدستورية اختصاصات يحددها الدستور أو القانون أو دساتير الولايات.
للمحكمة الدستورية الحق في النظر والحكم وإلغاء أي قانون أو عمل مخالف للدستور ورد الحق والحرية للمتظلم وتعويضه عن الضرر، وكذلك لها الحق في إصدار أي أوامر لأي جهة في أي مسألة أمامها، ولها الحق في إصدار أي أمر لأي جهة أو شخص لإحضار الشخص المعتقل أو المحبوس أمام المحكمة، بغض النظر عن دستورية الحبس والاعتقال، وهذا النص مهم جدًا وهو إجراءات الرقابة على حرية الأشخاص. وكذلك إذا كان في حالة ممارسة السلطات الجنائية لها الحق بالاستعانة بقانون الإجراءات الجنائية والدستور طبعًا، وقانون المحكمة الدستورية ينص على أن يكون للمحكمة الدستورية إجراءات جنائية خاصة بها وقانون إجراءات خاص بالمحكمة الدستورية، ولكن للأسف الشديد منذ إنشاء المحكمة الدستورية وحتى الآن لم يصدر قانون إجرائي لها سواء كان في الإجراءات الجنائية أو المدنية، وهذا تقاعس كبير وهو نوع من الاستهزاء بعمل المحكمة الدستورية. ومن المضحك جدًا أن المحكمة الدستورية منذ تأسيسها في عام 1998 وحتى هذه اللحظة لم تقم بممارسة أي سلطة جنائية في مواجهة أي من المختصين أو الواقعين تحت اختصاصها. أنا لا أدري هل الأشخاص الواقعين تحت اختصاص المحكمة الدستورية لم يرتكبوا جريمة وأنهم نزيهون لهذه الدرجة، أو أنهم معصومون من ارتكاب الزلل والأخطاء. على العموم حتى الآن لم يتم تقديم أي شخص للمحكمة الدستورية (الجنائية) من الأشخاص الواقعين تحت اختصاص المحكمة الدستورية.
ما هو دور المحكمة الدستورية في حماية الحقوق والحريات؟
المحكمة الدستورية هي الضامن الرئيسي لحماية وتعزيز الحقوق العامة والحريات، وتقوم بممارسة ذلك بعدة جوانب. الجانب الأول الرقابة والفصل في دستورية أي قوانين التي تمس الحريات العامة أو تحد منها. كما تفصل في الأعمال والسلوكيات التي تعتبر مخالفة للدستور. طبعًا هناك مستويان في الأعمال والسلوكيات المخالفة للقانون، وهذه يجوز فيها الطعن الإداري إذا كانت تتعلق بالجوانب الإدارية أمام المحاكم بمختلف اختصاصاتها، خاصة محكمة الطعون الإدارية بكافة مستوياتها، أما إذا كانت المخالفات ترتقي إلى المخالفات الدستورية، فيجوز الاتجاه بها صوب المحكمة الدستورية، والتي لها الحق في أن تأمر بوقف أي أعمال تتعدى على الحقوق والحريات العامة، وكذلك لها الحق في معالجتها بالتعويض. المحكمة الدستورية لها صلاحيات واسعة في هذا الشأن طالما المخالفة تتعلق بالدستور.
لماذا تأخر تشكيل المحكمة الدستورية في السودان؟
يُعيّن القضاة في المحكمة الدستورية بموجب عقود خاصة، وكانت هذه العقود تُوقع مع رئاسة الجمهورية بواسطة وزارة رئاسة الجمهورية. في عام 2020 انتهت جميع عقود قضاة المحكمة الدستورية عدا رئيس المحكمة الدستورية الذي استمر في عقده. وحتى بعد انتهاء عقده لم يتم تعيين قضاة آخرين، ما عدا في الفترة الأخيرة تم تعيين السيد وهبي محمد مختار رئيسًا بقرار من رئيس المجلس السيادي الفريق أول عبد الفتاح البرهان دون تعيين وإكمال بقية قضاة المحكمة الدستورية. وهذا التأخير ليس له ما يفسره، وإذا كان لعدم تكوين مجلس القضاء العالي، فإن الوثيقة الدستورية قد نصت على أن على المجلس السيادي الحق في ذلك التعيين، ولكن يبدو أنه منذ قيام الثورة ومنذ انتهاء عقود السادة قضاة المحكمة الدستورية السابقين، الجهات التي في الدولة زاهدة في تعيين وإكمال إجراءات المحكمة الدستورية، وذلك حتى لا يكون عمل المحكمة الدستورية رقابيًا على تصرفات السلطات السيادية والتنفيذية، إذ إن المحكمة الدستورية هي الكابح لهذه السلطات إذا تجاوزت الدستور وتجاوزت الحدود والصلاحيات المنصوص عليها بموجب الدستور. فلا أحد يرغب في تكبيل سلطاته وتقييدها بواسطة هذا الرقيب وهو المحكمة الدستورية. ولكن يبقى هذا الأمر خطيرًا بعدم إكمال مؤسسة المحكمة الدستورية، إذ إنه يطعن كثيرًا في مدنية الدولة ويطعن كثيرًا في احترام الدولة للدستور والقوانين، إذ إن المحكمة الدستورية هي الوجه الذي يعكس مدنية الدولة أمام العالم، والذي يشكل أيضًا الضمانات الرئيسية والأساسية للحقوق السياسية والدستورية والاقتصادية وحقوق الإنسان أيضًا. ينبغي الإسراع في إكمال تشكيل هذه المحكمة.
ماذا يترتب على غياب المحكمة الدستورية؟
يترتب على غياب المحكمة الدستورية النقص والتقصير في حماية الأفراد والجماعات في الشخصيات الاعتبارية، وحماية الحريات الأساسية والحقوق السياسية والاقتصادية لهم، خاصة في فترة وأثناء الحرب وما بعد الحرب، والتي ربما تؤدي إلى بعض الانتهاكات الحقوقية. المحكمة الدستورية هي الرقيب على هذه الضمانات.
هناك أيضًا مسألة خطيرة جدًا وهامة جدًا وهي أن تنفيذ أحكام الإعدام الآن متوقف بسبب عدم إكمال تشكيل المحكمة الدستورية. صحيح أن المحكمة الدستورية لا علاقة لها بتنفيذ أحكام الإعدام، وهي ليست مرحلة استئنافية في القضايا المتعلقة بالإعدام أو أي قضايا أخرى جنائية أو خلافه تختص بها السلطة القضائية، ولكن للأسف الشديد كثير من الناس يلجأون إلى المحكمة الدستورية ويطعنون أمامها، خاصة في القضايا المتعلقة بالإعدام، مما يؤدي إلى إيقاف تنفيذ العقوبة. وبالفعل لم يُنفذ أحكام إعدام في السودان منذ نهاية العام 2018، وذلك لأن كل من يريد إيقاف حكم الإعدام يتقدم بطلب للمحكمة الدستورية، حتى في حالة عدم اكتمال تعيين قضاتها، وحتى في حالة غياب رئيس المحكمة الدستورية قبل تعيينه كانت تُقدَّم الطلبات، ومن ثم يتقدم الشخص مقدم الطلب إلى السلطة القضائية لإيقاف التنفيذ. وترتب على هذا الأمر تراكم القضايا المحكوم عليها بالإعدام ووصل عدد القضايا التي حكم فيها أمام السلطة القضائية أحكام نهائية ما يقارب (5) آلاف حكم نهائي لم تُنفذ، موقف بسبب عدم اكتمال المحكمة الدستورية. وهذا يشكل عبءًا كبيرًا على المحكمة الدستورية، رغم أنني أكرر أنها غير مختصة بالنظر في أي طعون أو استئنافات، وهي ليست مرحلة من مراحل التقاضي في الأحكام الصادرة عن السلطة القضائية، ولكن إذا كانت المحكمة الدستورية مشكلة بكامل هيئتها، فيمكنها أن تصدر قراراتها بعدم الاختصاص ورفض الطلبات، وبالتالي تخضع أحكام السلطة القضائية، بما فيها المحكمة العليا، إلى إجراءات التنفيذ العادية لهذه الأحكام. هذه من النتائج الخطيرة جدًا والأسباب الخطيرة التي ترتبت على عدم تكوين المحكمة الدستورية وعلى غيابها.
كيف يمكن حل الطعون الدستورية في ظل غياب المحكمة؟
ليس هناك حل لهذه الطعون. المحكمة الدستورية هي الجهة الوحيدة المختصة بالفصل في الطعون الدستورية إذا كانت الطعون حقيقية. ليس هناك أي جهة، وهذا هو المأزق في تعليق الطعون الدستورية وانتظارها لحين تشكيل المحكمة الدستورية.
والخطوات التي يجب اتخاذها لتشكيل المحكمة الدستورية ليست خطوات معقدة بل هي خطوات بسيطة جدًا، تكمن في اتخاذ القرار الدستوري السياسي والقانوني بإكمال تعيين قضاة المحكمة الدستورية. هناك رئيس المحكمة الدستورية الآن جاهز، وهو شخص مشهود له بالكفاءة القانونية، وترأس المحكمة الدستورية سابقًا، وكذلك شغل منصب نائب رئيس القضاء في السلطة القضائية، ذو خبرة متراكمة وتأهيل عالٍ في هذا الشأن، وهو جاهز لأداء أعماله، وهو الآن يمارس أعماله بطريقة عادية، ولكن المحكمة مشلولة بعدم اكتمال إجراءات تعيين بقية قضاة المحكمة الدستورية. الموضوع يتوقف على قرار بسيط من السيد رئيس مجلس السيادة أو من المجلس السيادي بتعيين قضاة المحكمة الدستورية.
ما هو دور مجلس السيادة في تشكيل المحكمة الدستورية؟
هو الجهة المختصة بتشكيل وتعيين قضاة المحكمة الدستورية، وله الحق في اتخاذ ذلك في أي وقت.
هل هناك حلول لأحكام الإعدام الموقوفة بسبب عدم تعيين قضاة المحكمة الدستورية؟
هناك عدة أوجه لحلول الآثار المترتبة والأضرار الناجمة عن تأخير تشكيل المحكمة الدستورية حاليًا. أولًا، وهذا مسألة مهمة وأمر مهم جدًا فيما يتعلق بأحكام الإعدام الموقوف تنفيذها حتى الآن، والتي تتعلق بحكام قضايا القتل، والتي تُسمى تحت المادة (130) من القانون الجنائي. هذه فرضة كبيرة جدًا لأجهزة الدولة والمنظمات وأهل الخير والعفو، للاسراع والنهوض بالعمل المشترك لابتدار مبادرات قوية جدًا، سواء كانت مبادرة اجتماعية أو قبلية أو سياسية أو دينية، للحصول على صلح لهذه القضايا والوصول إلى صلح حولها لإيقاف تنفيذ هذه الأحكام، حيث من المتوقع أن يتم تنفيذ (5) آلاف حكم إعدام، هذا بالإضافة إلى الأحكام التي تأتي حديثًا والأحكام التي صدرت ولم تتخذ الشكل النهائي بعد، ستصل هذه إلى حوالي (10) آلاف حكم إعدام تقريبًا بعد اكتمال إجراءاتها، وأيضًا تتزايد يوميًا. هذا بالإضافة إلى الأحكام الصادرة في غير قضايا القتل بالإعدام أو خلافه، والتي تتراكم جميعها أمام المحكمة الدستورية. أرى أن نبتدر مبادرة للصلح والعفو. هناك مجلس الصلح والسلم الأهلي، وكذلك هناك رجال الطرق الصوفية ورجال الدين، وكذلك المؤسسات والمنظمات المجتمعية، يجب أن تنشط جميع هذه المؤسسات في أعمال صلح لتلافي هذا الضرر الناتج عن عدم تنفيذ هذه الأحكام، وذلك بالوصول إلى حلول نهائية بشأنها. أما فيما يتعلق بالأحكام الصادرة عن الهيئة القضائية والموقوف تنفيذها، أرى أن يقوم السيد رئيس القضاء بإصدار توجيه بأنه لم تأتِه أصلاً أوامر وقف تنفيذ من المحكمة الدستورية، وأن المحكمة الدستورية لم تصدر أي أمر بوقف التنفيذ لأنها غير مكتملة أصلاً، وبالتالي يجب عدم الالتفات إلى هذه الطلبات بوقف التنفيذ، طالما كان الحكم نهائيًا أمام السلطة القضائية، والاتجاه فورًا إلى تنفيذه، مع التروي في أحكام الإعدام التي يجب أن ننظر فيها بعين الصلح والوصول إلى الحلول الأهلية، أما الأحكام النهائية التي لم يتم فيها الصلح، فيجوز الذهاب مباشرة إلى تنفيذها.

