
تقرير: إبراهيم محمد أحمد “باترة”
حان وقت السرد عن رجال شاركوا بفاعلية في حرب الكرامة إيمانًا واحتسابًا، رجال آمنوا بأن خدمة الوطن في أوقات المحن شرف لا يضاهيه شرف. وفي مقدمة هؤلاء يبرز اسم الدكتور أسامة عثمان الفكي، الذي قدم عملًا عظيمًا وتفانيًا يوازي عظمة الأفعال في واحدة من أدق مراحل تاريخ السودان الحديث.
عندما اندلعت حرب الكرامة والوجود، وفي امتحان الوطن الكبير، ظهر الكثير من رجال الوطن المخلصين وهم يعملون في صمت، “من دون منٍّ ولا أذى”، يعملون فقط من أجل المساهمة في بقاء هذا الوطن شامخًا صامدًا. في أوقات الشدة، وفي أصعب لحظات الامتحان، برز الرجال الأقوياء يسندون الوطن ويساندون قوات الشعب المسلحة بكل الطرق، وفي أحلك الظروف وأعقد التحديات.
كان الدكتور أسامة عثمان واحدًا من جنود الوطن الذين تواجدوا مع الجيش والقوات المساندة جنبًا إلى جنب، مقدمًا كل خدماته للقوات المسلحة، وللمؤسسات الحكومية والإعلامية الحكومية والخاصة، ولدور الرعاية الاجتماعية، وللكثير من المواطنين، في صمت جميل كضريبة وطنية واجبة السداد، دون أن يعلم بذلك أحد، ودون أن تُذكر أفعاله وحسن صنائعه في أي من وسائل الإعلام أو وسائط التواصل الاجتماعي.
منذ بداية الحرب، كانت له بصمة واضحة في إعادة تشغيل تلفزيون السودان، التلفزيون الرسمي للبلاد. فقد توافقت جهوده مع جهود وطنية أخرى لتُثمر إعادة تشغيل البث عبر تلفزيون الولاية الشمالية، ومن ثم تحويله إلى بورتسودان حيث ما يزال البث متواصلًا حتى اليوم. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل أسهم أيضًا في تشغيل الإذاعة في وقت متقارب، إدراكًا منه لأهمية الإعلام في تثبيت الروح المعنوية وحفظ تماسك الدولة في أوقات النزاعات. ورغم أهمية هذا الإنجاز، لم يخرج ليتحدث عنه أو يتباهى به، بل أداه إيمانًا بدوره الوطني.
ثم امتدت جهوده إلى أهم القطاعات الحيوية، حيث وضع بصمته في قطاعي الكهرباء والمياه، دعمًا لقوات الشعب المسلحة وخدمة للمواطنين. فقد أشرف بصورة مباشرة على ملفات الكهرباء بالتواصل والتنسيق مع الجهات ذات الاختصاص، وساهم في تشغيل مياه المقرن التي تشمل مواقع مهمة، إضافة إلى توزيع المياه على مواقع القوات المسلحة والقوات المساندة داخل ولاية الخرطوم في الأيام الأولى التي اشتد فيها القتال. وكان التركيز منصبًا على توفير الكهرباء والمياه للمستشفيات، مثل السلاح الطبي ومستشفى بست كير، كما قام بإدخال منظومات طاقة شمسية إلى سلاح المدرعات بشهادة مباشرة من قادة المدرعات، ونجح في إدارة قطاعي المياه والكهرباء بكفاءة وتميز خدمةً للوطن لا لشيء آخر.
وفي ولاية الجزيرة، وفر كل المعينات اللازمة لقيام ثلاث معسكرات تدريب، مع التركيز على وحدة أبوقوتة الإدارية، مما أسهم في إدخال مستنفرين جاهزين إلى سلاح المدرعات، والمساهمة في الحفاظ عليه في ظل اشتداد المعارك. وقد مثّلت هذه المعسكرات دعمًا مباشرًا للمدرعات في معاركها.
ولم يغفل الجانب الإنساني، إذ كان له دور كبير في دار رعاية الطفل اليتيم (المايقوما)، حيث ساهم في توفير معينات الرعاية الصحية والغذائية والوقائية للأطفال، ونال إشادة خاصة وكبيرة من إدارة الدار.
وخلاصة القول، إن الدكتور أسامة عثمان وفر كل ما استطاع توفيره دعمًا للوطن ومساندة لجيش وشعب السودان، مع مجموعته، إضافة إلى تواصله المباشر مع الهلال الأحمر لدفن قتلى المليشيا وفق القواعد المتعارف عليها في الحروب. فعل كل ذلك دون أن يسعى لظهور أو إشادة، لكن واجب التوثيق يقتضي تسليط الضوء على جانب من أعماله الكثيرة، على أن نعود لبقية الجهود في حلقات قادمة.

