أحمد يوسف محمد الطيب يكتب “الفاشر” المدينة التي تنزف ولا تنكسر

تعيش الفاشر هذه الأيام فصلها الأشد ظلمةً ووجعًا في تاريخٍ طويلٍ من الصبر والمكابدة. المدينة التي عُرفت بالعطاء والكرم، التي كانت تمدّ يدها لكل محتاجٍ من كل صوب، وتبعث بالكساء والغذاء إلى بيت الله الحرام، وتطعم الحجيج في طريقهم، وتفيض ضريانها بإبداعات الميارم وقدحات الكرم، غدت اليوم ساحةً للفاجعة، يلفّها الدخان، وتخنقها رائحة الموت والخذلان.
كانت الفاشر تستقبل النهار برائحة القهوة وبهجة الأطفال وتحايا الشيوخ، وكانت شمسها تشرق على قلوبٍ مطمئنة ووجوهٍ باسمة. أما اليوم، فقد انطفأ النور، وتبدّلت الملامح، وانكسرت المرايا التي كانت تعكس وجه الأمان. اجتاح القاتل أرضها كعاصفةٍ عمياء لا تفرّق بين شيخٍ طاعنٍ وطفلٍ بريء، لا تعرف سوى لغة الدم والبطش. سفكت الأرواح، وأحرقت البيوت، وسحلت الأجساد في الطرقات، بينما العالم يقف متفرّجًا على أطلال المدينة، بصمتٍ يُشبه التواطؤ أو ما هو أدهى من الصمت: اللامبالاة.
هرب الآلاف من أبنائها، يحملون ما بقي من أرواحهم قبل أمتعتهم، ويسيرون حفاةً على دروبٍ ملتهبةٍ نحو المجهول.
ظنّوا أنهم يفرّون من الموت، فإذا بالموت يلاحقهم في طرق النزوح، وفي الفيافي الممتدة، كأن القدر قد أصرّ أن يمتحن صبرهم في كل خطوةٍ من خطوات الهروب. تحوّلت رحلة الخلاص إلى رحلةٍ أخرى من الجوع والعطش والخذلان، إذ لم تعد السماء تمطر رحمة، ولا الأرض تُنبت أمانًا.
انقطعت المياه، وجفّت موارد الغذاء والدواء، وغدت الفاشر مدينةً محاصرةً بالعطش والرصاص. من تبقّى فيها يعيش بين أنقاضٍ تنزف وجعًا، يسمع أنين الجرحى وصمت الشهداء، ويراقب الشمس وهي تغيب خلف ستائر الدخان التي لا تنقشع. كل ما في المدينة يصرخ؛ حتى الجدران التي كانت تحكي قصص الحب والجيرة، باتت تبكي مع أهلها، تئنّ وجعًا، وتذوب حنينًا لأيامٍ كانت فيها الحياة تنبض بالعافية.
وما يجري في الفاشر ليس حربًا بين جيشين، بل جريمةٌ إنسانية مكتملة الأركان تُرتكب بدمٍ باردٍ وعلى مرأى العالم. تُنتهك فيها الكرامة، وتُذبح فيها البراءة، بينما تظل الضمائر مطفأةً تحت رماد المصالح، تتفرّج وكأن الدم السوداني بلا لونٍ ولا رائحةٍ ولا وجع.
ومع ذلك، لم تخمد في القلوب جذوة الإيمان، ولم تنطفئ شرارة الصبر في العيون.
نحن أبناء هذه الأرض التي تُنبت الصبر والجلد كما تُنبت أشجار التبلدي والمهوقني التي لا تخشي عتاوة الريح، وننهض من الرماد كما ينهض الفجر من رحم الليل. نحن أمةٌ خُلقت لتعيش بعزّةٍ وكرامة، لا تعرف الخضوع، ولا تشهر سيفها إلا دفاعًا عن الحق. على مرّ التاريخ، كانت بلادنا ملاذًا للغريب، ومأمنًا للمستجير، نكرم الضيف ونساويه بأنفسنا في الحقوق والواجبات.
لكن حين غدروا بالعهد، وسقوا أرضنا بدماء الأبرياء، ظنّوا أن صوتنا سيُدفن تحت الركام، وأن ذاكرتنا ستغفو في ظلال النسيان. نسوا أن الدم لا يضيع، وأن الأرض تحفظ أسماء شهدائها كما تحفظ أسرار المطر.
في كل ذرة ترابٍ من تراب الفاشر حكاية شهيدٍ، وفي كل نسمةٍ تمرّ على أطلالها أنينُ أمٍّ تنتظر ابنها، أو صلاةُ شيخٍ يرفع يديه إلى السماء يرجو عدلاً لا يأتي من البشر.
اليوم، يلبس الحزن ثوبًا أسود يغطّي المدينة، وتغيب الفرحة عن الوجوه، حتى النسيم صار مثقلاً بالأنين.
ومع ذلك، في قلب كل بيتٍ من بيوت الفاشر قبسٌ صغيرٌ من الأمل لا ينطفئ؛ إيمانٌ بأن الغد آتٍ، وأن العاقبة للحق، وأن الليل مهما طال، سينحني خضوعًا لأول خيطٍ من نور الفجر.
نحن لا نحمل سيوفنا في وجه أحد، لكن إن اضطررنا لرفعها، انتصرنا؛ لا لأننا نهوى الحرب، بل لأننا نكره الهزيمة. نحن لا نستسلم كحبات الغلال حين تُساق إلى الرحى، بل نتعارك مع جدران الحياة نسقط ثم ننهض من جديد، لأننا ببساطة لا نعرف طريق الاستسلام، ولا تليق بنا الراية البيضاء.
الفاشر تنزف، نعم، لكنها تنزف شرفًا وصبرًا وكرامة.
ستظل، رغم الجراح، مدينةً لا تموت، وأرضًا لا تركع إلا لخالقها.
ومن رمادها سيولد فجرٌ جديد، ومن دموعها ستُكتب ملحمة الصمود، لتبقى الفاشر شاهدةً خالدةً على أن الكرامة لا تُهزم، وأن المدن العظيمة لا تموت.

