
في زمنٍ يصرخ فيه الوطن جراحًا، والمواطن يلهث خلف رغيف خبز تحت نيران المدافع، خرج علينا تلفزيون السودان تلفزيون الدولة بوجهٍ شاحبٍ باهتٍ، باردٍ، يرقص على أنغام موت الحقيقة.
بثٌّ روتينيٌ ميت، نشراتٌ عقيمةٌ تردد صدى أكاذيبٍ بلا روح، وأغانٍ قديمةٌ تسرق من لحظة الألم آخر أنفاسها، كأن السودان بلدٌ يحتفل، لا يحترق.
لم يكن التلفزيون فاشلاً فقط، بل كان جريمة مكتملة الأركان في حق الحقيقة، وفي حق الوطن الذي يُذبح أمام أعيننا.
في أحلك الليالي، حين تنزف الأرض دماءً، لم يفتح التلفزيون نوافذه على وجع الناس، لم يحتضن حسرتهم، بل أغمض عينيه، وطمر الحقيقة تحت ركام الصمت المُميت.
قناة الشعب لم تكن سوى «قناة النسيان» التي غابت عنها تقارير الميدان، وجفّت فيها لغة الاعتراف بالكوارث، وبثت رسائل رسمية باهتة، ومشاهد محفوظة لا تعني أحدًا.
والانتقال إلى بورتسودان، بعد تدمير مقر الخرطوم، اضاف لمشهد الوجع طبقةً جديدة من البهتان والابتعاد عن الواقع.
نعلم أن الأجهزة معدومة، والظروف سيئة، لكن تحت رماد المآسي يجب أن تولد إرادةٌ تشعل شعلةً، فتنتفض ضد كل يأس.
فأين هذه الإرادة؟ اين الادارة؟ أين الحس الوطني؟ أين إعلاميو الثورة المزعومة الذين أقسموا على نقل الحقيقة مهما كلفهم الثمن؟
وسط هذا الصمت الرهيب لتلفزيون الدولة، ظهر وجهٌ آخر للإعلام السوداني ، وجهٌ مقاوم، عنيد، صادق.
في الولايات، بكاميرا بسيطة وأدوات متواضعة، حمل بعض الصحفيون الميدان في صدورهم بلا حماية، بلا دعم، وبلا رواتب، بل برغبة صادقة في كشف الحقيقة.
من مدني إلى القضارف، ومن نهر النيل إلى كسلا، صدحت أصوات الميدان أقوى من أي بث رسمي ميت.
هؤلاء لم يحتاجوا ميزانية، لكنهم امتلكوا ما لا يُشترى قلب ينبض بالناس، ضميرٌ يرفض الخضوع.
المفارقة المُرة أن من كانوا على هامش السلطة هم الأقرب إلى نبض الوطن، بينما اختار من يحملون الكاميرات الرسمية الانفصال عن الحقيقة، والتستر، فالكاميرا ليست أداةً فقط، بل من يحملها يملك الجرأة، والضمير، والشجاعة ومن يحمل الكاميرا ولا يحمل ضميرًا، ليس إلا قاتلًا صامتًا.
والأدهى من ذلك، أن هذا الأداء الكارثي ظل مستمرًا بلا حساب، بلا اعتذار، بلا تغيير،تلفزيون السودان لم يكن غائبًا عن المعركة، بل كان طرفًا سلبيًا، يغذي غياب الحقيقة، ويشارك بصمته في ذبح الوطن.
وهنا انا لا اجامل ولا اغلف الكلام لقد خذلتم الوطن، وذبحتم الرسالة الإعلامية في قلب الحدث،على الهواء مباشرة، بلا وجل ولا ندم.
مع إحترامي

