هنادي عبداللطيف تكتب.. ”طفيليات المحتوى” من يحمي الصحافة السودانية من عبث الدخلاء؟
الخرطوم | الآن نيوز

مشهداً مكرراً ومستفزاً؛ اشخاص يحملون هاتفاً ذكياً في يد، و”مايكروفوناً” بلا هوية في اليد الأخرى، يقتحموا البازارات والمحافل العامة، يوزعون الابتسامات والأسئلة الفارغة، ويقدموا محتوىً لا يرتقي حتى لمستوى الثرثرة. هؤلاء هم “المتغولون” الجدد الذين استباحوا حمى الإعلام، وحولوا رسالته السامية إلى “سلعة” رديئة تُعرض في مزاد العشوائيةمن المسؤول عن هذا الانفلات؟
إن المسؤولية هنا مشتركة وتتوزع على عدة أطراف:
الجهات التنظيمية: غياب القوانين الرادعة التي تمنع انتحال صفة “إعلامي” دون ترخيص مهني واضح، أو دون الانضواء تحت مؤسسة إعلامية معتبرة.
أصحاب الفعاليات (البازارات): الذين يبحثون عن “الانتشار الكمي” بغض النظر عن النوعية، فيدعون هؤلاء المتطفلين بحثاً عن “ترند” رخيص، مفضلين العدد على القيمة.
#الجمهور الذي يساهم بمتابعته وتفاعله في رفع أسهم هذه النماذج، مما يجعلهم “فرض عين” في كل مناسبة.
الميكروفون.. مكانة لا تليق بالعشوائية
إن وضع “المايك” في يد من لا يجيد أبجديات الحوار، ولا يحترم أخلاقيات المهنة، هو إهانة لكل من درس وتعب وسهر ليكون صوتاً للحق. هؤلاء الذين يمارسون “الاستجداء” الإعلاني تحت مسمى “تغطية إعلامية” يسيئون لصورة الصحفي والاعلامي الرصين، ويخلقون انطباعاً لدى العامة بأن الإعلام مهنة من لا مهنة له.
تساؤلات للزملاء: هل يكفي “الندب” على الأطلال؟
يا زملاء المهنة والرسالة، هل سنكتفي في كل مرة بالكتابة خلف الشاشات والإدانة في المجموعات المغلقة؟ إن استمرارنا في دور المتفرج يجعلنا شركاء في الجريمة. ما هي مسؤوليتنا؟
أين دور النقابات والجمعيات؟ لماذا لا يكون هناك “ميثاق شرف” ملزم وتنسيق مع الجهات المختصة لمنع أي شخص من حمل ميكروفون وتغطية حدث عام دون هوية مهنية؟
المقاطعة المهنية: يجب أن يرفض الإعلاميون الحقيقيون التواجد في أماكن تمنح هؤلاء “المتغولين” نفس المنصة والاعتبار.
التوعية المجتمعية: دورنا أن نشرح للناس الفرق بين “صانع المحتوى” (الذي قد يكون مفيداً) وبين “منتحل صفة الإعلامي” الذي يبيع الوهم.
ماذا يمكننا أن نفعل؟ (خارطة طريق للمواجهة)
المطالبة بـ “رخصة مزاولة”: الضغط باتجاه سن قوانين تفرض رخصة إعلامية رقمية لكل من يمارس التغطيات الميدانية.
القائمة السوداء: رصد المتجاوزين والمحتويات الرديئة وفضح أساليبهم مهنياً، لا للتنمر عليهم، بل لحماية قدسية المهنة.
مبادرة “الميكروفون أمانة”: إطلاق حملات توعوية لأصحاب البازارات والشركات توضح خطورة التعامل مع هؤلاء على سمعة علامتهم التجارية.
الإعلام ليس مجرد هاتف ومايك، بل هو فكر، أخلاق، ومسؤولية قانونية. وإذا لم نتحرك الآن، فسنستيقظ غداً على واقع يختفي فيه الإعلامي الحقيقي وسط ضجيج “الباحثين عن الشهرة” في أزقة البازارات.
#مبادرة_الميكرفون_امانة

