كتاب رائ وعالمية

هنادي عبداللطيف تكتب.. المطالبة بالخدمات في زمن الحرب: هل أصبح “النور” خطراً أمنياً يستدعي المطاردة؟​

الخرطوم | الآن نيوز

في الوقت الذي تعيش فيه البلاد واحدة من أعقد أزماتها التاريخية بسبب الحرب التي أنهكت الأخضر واليابس، وفي ظل ظروف إنسانية واقتصادية بالغة التعقيد، تفاجأ الرأي العام بوقائع تثير الكثير من التساؤلات والقلق؛ حيث جرى تداول فيدوهات ل قوة من الشرطة تمطاردة مواطنين في مدينة “عبري” بالولاية الشمالية، على خلفية تنظيمهم احتجاجات سلمية تندد ببرمجة قطوعات التيار الكهربائي.

 

​مشهد يضعنا أمام مفارقة عجيبة، ويفجر حزمة من التساؤلات المنطقية والمشروعة التي تمس جوهر العلاقة بين المواطن والدولة في أوقات الأزمات.

 

​هل المطالبة بالحقوق الأساسية جريمة جنائية؟

​الكهرباء في عصرنا الحالي ليست ترفاً أو رفاهية، بل هي شريان الحياة للمستشفيات، ومضخات المياه، وحفظ الأغذية والأدوية، ناهيك عن دورها في تخفيف وطأة الصيف القاتل في الولاية الشمالية.

​بأي منطق قانوني أو أخلاقي تُجابه الشكوى من انعدام الخدمات بالملاحقة الأمنية؟

​المواطن في عبري وغيرها لم يخرج مطالباً بإسقاط النظام أو إحداث فوضى، بل خرج يطالب بـ”حق مستقطع القيمة سلفاً”، فالمواطن يدفع قيمة هذه الخدمات من قوت يومه عبر الضرائب والرسوم. وتحويل “المطالبة بالحق المخدوم” إلى “قضية أمنية” هو اعتراف ضمني بعجز السلطات عن إدارة الأزمة.

ما هي الرسالة التي ترسلها السلطة للمواطن الصامد؟

​المواطنون في الولايات التي لم تشتعل فيها الحرب مباشرة (مثل الولاية الشمالية) يمثلون حواضن إنسانية واقتصادية واجتماعية هامة جداً للاستقرار، ويتحملون أعباءً إضافية جراء النزوح وضغط المعيشة.

​هل مكافأة هذا الصمود والتحمل هي إرسال قوات الشرطة لمطاردتهم لمجرد أنهم قالوا “تعبنا من الظلام”؟

إستخدام القبضة الأمنية الغليظة ضد المواطنين السلميين في مثل هذه الظروف يولد شعوراً عميقاً بالغبن والعزلة. فهو يرسل رسالة مفادها: أن السلطة لا ترى في المواطن سوى دافع للجبايات، وممنوع عليه الأنين أو الشكوى مهما بلغت المعاناة.

​

في الحاجة إلى صوت العقل لا صوت الرصاص

​الحرب ليست صكاً مفتوحاً لإلغاء إنسانية البشر أو مصادرة حقهم في التعبير السلمي عن أوجاعهم. المنطق يفرض على السلطات المحلية في الولاية الشمالية وإدارة الكهرباء الجلوس مع ممثلي المواطنين، ومكاشفتهم بالحقائق والأعطال (إن وُجدت)، والبحث عن حلول مشتركة بدلاً من خيار “المطاردة” الذي لا يحل أزمة الكهرباء، بل يضيف إليها أزمة ثقة حادة بين المواطن وأجهزة الدولة.

​إن بلدًا تُنهكه الحرب، يحتاج إلى الحكمة واستيعاب المواطنين وتخفيف المعاناة عنهم، لا إلى تحويل الشوارع الآمنة إلى ساحات مطاردة بسبب “لمبة مطفأة”.

زر الذهاب إلى الأعلى