نصرالدين عثمان أبو البنات يكتب.. “المذيعة أنسام رستم” حين يغيب الصوت الذي اعتاد المشاهد أن يطمئن إليه
الخرطوم | الآن نيوز

في زمن أصبحت فيه الإثارة السريعة عنوانًا لكثير من الشاشات، تبقى هناك أسماء صنعت مكانتها بهدوء، ورسخت حضورها بالمهنية، لا بالضجيج. أسماء لا تحتاج إلى صخب حتى تُلفت الأنظار، لأن رصيدها الحقيقي محفوظ في ذاكرة الجمهور. ومن بين هذه الأسماء تبرز الإعلامية السودانية أنسام رستم، التي ما زال غيابها عن الشاشة يثير تساؤلات لدى كثير من المتابعين، الذين اعتادوا على حضورها الأنيق وأسلوبها الراقي.
الإعلام ليس مجرد كاميرا ومذيع ونشرة أو برنامج، بل هو شخصية قادرة على بناء علاقة ثقة مع المشاهد. وهذه العلاقة لا تُصنع في يوم أو شهر، وإنما عبر سنوات من الالتزام والاحترام والمهنية. وهذا ما نجحت أنسام رستم في تحقيقه، إذ استطاعت أن تفرض نفسها دون ضجيج، وأن تحجز مكانها بين الوجوه الإعلامية التي يذكرها الناس بالخير كلما غابت.
لم تكن أنسام رستم من المذيعات اللاتي يعتمدن على رفع الصوت أو افتعال الجدل. بل اختارت طريقًا مختلفًا، يقوم على رصانة اللغة، وهدوء الأداء، وأناقة الحضور، واحترام عقل المشاهد. كانت تقدم الكلمة ببساطة، لكنها تصل إلى القلب، وتحاور ضيوفها بثقة، لكنها لا تطغى عليهم، وتدير النقاش باحترافية تجعل المشاهد يشعر بأنه أمام إعلامية تعرف جيدًا قيمة الرسالة التي تحملها.
ومن يتابع مسيرتها يلحظ أنها لم تكن ابنة شاشة واحدة، بل تنقلت بين عدد من المؤسسات الإعلامية السودانية، فعملت في التلفزيون القومي السوداني، وقدمت عبره برامج وفترات منوعة، ثم انتقلت إلى قناة أم درمان الفضائية، حيث شاركت في تقديم البرنامج الرمضاني “الأيادي الطاعمة”، قبل أن تطل على جمهورها عبر قناة الشروق في برنامج “في دارك”، الذي عكس قدراتها في تقديم البرامج الحوارية والاجتماعية بأسلوب راقٍ ومتزن.
هذه المحطات لم تكن مجرد وظائف إعلامية، بل كانت مراحل صنعت شخصية مذيعة تمتلك الخبرة، والثقافة، والقدرة على التعامل مع مختلف أنماط البرامج والضيوف. ولذلك لم يكن غريبًا أن تترك بصمتها لدى المشاهد السوداني، الذي أصبح يميز بينها وبين كثير من الوجوه التي تمر سريعًا ثم تختفي.
ورغم هذا التاريخ المهني، ظل غياب أنسام رستم عن الشاشة يفتح بابًا للتساؤل: لماذا لا تستفيد القنوات الفضائية من خبرة إعلامية بهذا الحجم؟ ففي وقت تتنافس فيه القنوات على استقطاب الأسماء القادرة على جذب الجمهور، تبدو إعادة تقديم إعلامية تمتلك هذا الرصيد المهني خطوة تستحق التفكير.
فالإعلام اليوم لا يحتاج فقط إلى وجوه جديدة، بل يحتاج أيضًا إلى أصحاب التجربة، ممن يعرفون كيف تُدار الحوارات، وكيف يُحترم المشاهد، وكيف تُصاغ الكلمة بلغة سليمة وأسلوب راقٍ. فالتقنيات الحديثة قد تطور الصورة، لكنها لا تصنع مذيعًا ناجحًا، كما أن الديكورات الفاخرة لا تعوض غياب الشخصية الإعلامية المؤثرة.
لقد أثبتت التجارب أن الجمهور لا ينجذب فقط إلى الشهرة، بل يبحث عن المصداقية والراحة والاحترام. وهذه القيم كانت حاضرة في تجربة أنسام رستم، التي جمعت بين الثقافة، وجمال الحضور، وسلامة اللغة، وسلاسة الحديث، والبساطة التي تجعلها قريبة من الناس دون تكلف.
ولعل ما تحتاجه الشاشات السودانية اليوم هو إعادة الاعتبار للكفاءات الوطنية التي صنعت اسمها بالاجتهاد والعمل، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي. فأنسام رستم ليست مجرد مذيعة غابت عن الشاشة، بل هي خبرة إعلامية تستحق أن تجد مساحة جديدة للعطاء، وأن تعود إلى المكان الذي يعرفها فيه الجمهور ويقدرها.
إن عودة أنسام رستم، إذا ما تحققت، لن تكون مجرد ظهور إعلامية من جديد، بل ستكون رسالة بأن المؤسسات الإعلامية ما زالت تؤمن بقيمة الخبرة، وتحترم الكفاءة، وتعرف أن النجاح الحقيقي لا يصنعه الحضور المؤقت، بل يصنعه الإعلاميون الذين يتركون أثرًا في ذاكرة الناس.
فالشاشة السودانية، وهي تبحث عن التميز، لن تخسر شيئًا إذا أعادت أحد أجمل أصواتها وأكثرها رصانة… بل ربما تكسب كثيرًا.

