نصرالدين أبو زينب يكتب.. “من قرية 23 إلى مطابخ النخبة” قصة صعود الشيف آدم إبراهيم بلال للعالمية
الخرطوم | الآن نيوز

في السودان، كثير من القصص الجميلة تبدأ من القرى البسيطة، من بيوت الطين، ومن حقول الزراعة التي تُعلِّم الصبر قبل أي شيء آخر. ومن بين هذه القصص الملهمة تبرز حكاية الشاب آدم إبراهيم بلال، ابن مدينة حلفا الجديدة وتحديدًا من قرية 23، الشاب الذي خرج من بيئة بسيطة لكنها عظيمة القيم؛ بيئة تعشق الزراعة، وتتنفس القرآن الكريم، وتنتمي إلى قبيلة البرقو الصليحاب المعروفة بالكرم والأصالة وحب القرآن الكريم.
نشأ آدم وسط هذه الأجواء التي غرست فيه منذ الصغر معاني الاجتهاد والاعتماد على النفس. في قرية 23، حيث تمتد الأراضي الزراعية وتتعالى أصوات التلاوة في البيوت، تعلّم أن الطريق إلى النجاح ليس مفروشًا بالورود، بل يحتاج إلى صبر طويل وعزيمة لا تلين. ومنذ سنوات شبابه الأولى، وضع آدم هدفًا واضحًا أمام عينيه، وقال لنفسه: “أنا داير أعمل حاجة مختلفة… حاجة تخلي الناس تفخر بي.”
لم تكن الرحلة سهلة. كغيره من شباب القرى، واجه آدم تحديات الحياة وصعوباتها، لكنه كان يؤمن بأن الاجتهاد هو الطريق الوحيد للخروج من دائرة المعاناة. اجتهد في دراسته حتى وصل إلى الجامعة، وهناك بدأت ملامح حلمه تتضح أكثر. ترك آدم مدينته حلفا الجديدة متجهًا إلى العاصمة الخرطوم، واستقر في منطقة السلمة شرق الكدرو بمحلية بحري.
في الخرطوم، قرر آدم أن يدخل مجالًا لم يكن مألوفًا لدى أسرته أو حتى لدى كثير من أبناء منطقته: مجال الفندقة والسياحة. كان اختيارًا جريئًا، بل وغريبًا بالنسبة للبعض. لم يجد دعمًا كبيرًا من الأسرة في البداية، ليس لأنهم لا يحبونه، ولكن لأن هذا المجال كان جديدًا عليهم تمامًا.
بل إن بعض الأصدقاء حاولوا إحباطه بكلمات قاسية. كانوا يقولون له ساخرين:
“بعد التعب ده كلو في النهاية ح تطلع طباخ؟ تقعد في المطبخ وتقطع البصل وتعمل الكمونية؟”
لكن آدم لم يكن يسمع تلك الكلمات بعقله فقط، بل كان يزنها بطموحه. كان يعلم جيدًا أن النجاح لا يأتي لمن يمشي مع التيار، بل لمن يفكر خارج الصندوق. كان يقرأ، ويتعلم، ويطوّر نفسه يومًا بعد يوم، وكأنه يرى المستقبل بعين لا يراها الآخرون.
وبالفعل، أثمرت تلك العزيمة. تخرج آدم من الجامعة متفوقًا على كثير من زملائه، وبدأ مرحلة جديدة من رحلته المهنية. تدرب في عدد من الفنادق ذات الخمس نجوم داخل السودان، واكتسب خبرات واسعة في فنون الطهي العالمية، حتى أصبح اسمه يتردد في الوسط الفندقي.
ومع مرور الوقت، وصل إلى أحد أشهر مطاعم العاصمة مطعم أوزون، حيث أثبت نفسه بسرعة مذهلة. هناك لمع نجمه كأحد أميز الشيفات الشباب في الخرطوم، رغم أن عمره لم يتجاوز الخامسة والعشرين عامًا.
لكن الحياة في السودان كثيرًا ما تختبر أبناءها. اندلعت الحرب، وحدث ما حدث لكثير من البيوت والمؤسسات. لم يسلم مطعم أوزون من التخريب والنهب، كما حدث لآلاف الأماكن التي طالتها الفوضى.
عاد آدم مرة أخرى إلى جذوره… إلى قرية 23. عاد إلى الأرض والزراعة، وكأن الحياة تعيده إلى البداية. لكن هذه العودة لم تكن هزيمة، بل كانت استراحة محارب.
فآدم لم يكن مجرد شيف موهوب، بل كان أيضًا صاحب أخلاق عالية وطيبة قلب يعرفها كل من تعامل معه. هذه الصفات، إلى جانب مهارته المهنية، جعلت إدارات عدد من الفنادق والمطاعم في بورتسودان تتسابق للحصول على خدماته.
وفي النهاية، وقع الاختيار عليه ليعمل شيف في مطعم ذا دووك، أحد أرقى وأميز المطاعم في بورتسودان. مطعم يقدم أكلات عالمية ويستقبل زوارًا من داخل السودان وخارجه، حتى أولئك الذين نشأوا بعيدًا عن البلاد.
هناك، بدأ آدم فصلًا جديدًا من قصته. أصبح اليوم واحدًا من أصغر الشيفات في السودان الذين ينافسون الكبار بثقة واقتدار. شاب جاء من قرية بسيطة، لكنه أثبت أن الطموح لا يعرف حدودًا.
قصة آدم رسالة واضحة لكل الشباب:
لو عندك حلم، أمسك فيه بيديك وأسنانك… وما تسمع لكلام الإحباط. الطريق ممكن يكون طويل، لكن الاجتهاد بوصلك القمة.
نقولها بكل فخر:
هنيئًا لـ مطعم ذا دووك بانضمام آدم إلى فريقه، وهنيئًا لآدم بإدارة تعرف قيمة الإبداع والتميز.
ولكل شاب سوداني نقول:
أرفع رأسك… واجتهد… وخلّي حلمك أكبر من الظروف.
فالنجاح، يا شباب، ما بجي صدفة… النجاح عايز عزيمة، وناس زي آدم إبراهيم بلال أكبر دليل على ذلك. 💪🇸🇩

