كتاب رائ وعالمية

من الخرطوم إلى بورتسودان قراءة في الإستراتيجية الروسية الجديدة في السودان

الخرطوم | الآن نيوز

تشهد العلاقات السودانية الروسية خلال السنوات الأخيرة تحولاً نوعياً يتجاوز البعد العسكري التقليدي المرتبط بمشروع القاعدة البحرية الروسية على البحر الأحمر، نحو بناء شراكة متعددة المستويات تتمحور بصورة متزايدة حول مدينة بورتسودان.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن موسكو باتت تنظر إلى بورتسودان باعتبارها بوابة رئيسية لمصالحها السياسية والاقتصادية واللوجستية في السودان وشرق إفريقيا، خاصة في ظل المتغيرات التي فرضتها الحرب السودانية منذ أبريل 2023.

أولاً: انتقال مركز العلاقات الروسية السودانية من الخرطوم إلى بورتسودان

لأكثر من سبعة عقود ظلت الخرطوم تمثل مركز التفاعل السياسي والدبلوماسي بين السودان وروسيا، إلا أن الحرب السودانية فرضت واقعاً جديداً دفع العديد من البعثات الأجنبية، ومن بينها روسيا، إلى نقل نشاطها العملي نحو بورتسودان.

هذا التحول لا يمكن النظر إليه باعتباره إجراءاً مؤقتاً فقط كبقية البعثات التي عادت بالفعل للخرطوم ، بل أن روسيا لا تنوي إعادة سفارتها للخرطوم نهائياً و ستستمر السفارة الروسية ببورتسودان ، مما يعكس إدراكًا روسياً لأهمية المدينة باعتبارها كانت المركز الإداري والسياسي الفعلي للدولة السودانية خلال فترة الحرب، ونقطة الاتصال الرئيسية مع المؤسسات السيادية والتنفيذية السودانية قبل العودة للعاصمة الخرطوم بعد تحريرها وعودة البعثات الدبلوماسية الأخرى ماعدا روسيا التي استقرت رسميا بالمدينة الساحلية الشرقية للسودان .

كما أن الزيارات والاتصالات الروسية الرسمية خلال العامين الماضيين تركزت بصورة متزايدة في بورتسودان أكثر من أي مدينة سودانية أخرى.

ثانياً: بورتسودان وأهمية البحر الأحمر في الحسابات الروسية

تأتي أهمية بورتسودان بالنسبة لروسيا من موقعها الاستراتيجي على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية العالمية التي تربط بين آسيا وأوروبا وإفريقيا عبر قناة السويس.

وتكتسب هذه الأهمية بعداً إضافياً في ظل التحديات التي واجهتها موسكو في مناطق نفوذها التقليدية، خاصة في شرق المتوسط. لذلك تنظر روسيا إلى البحر الأحمر باعتباره مجالاً حيوياً لتعزيز حضورها البحري والتجاري والعسكري، بينما تمثل بورتسودان نقطة الارتكاز الأكثر ملاءمة لتحقيق هذا الهدف.

وفي هذا السياق ظل مشروع المركز اللوجستي البحري الروسي في السودان حاضراً في أجندة البلدين منذ سنوات، مع تأكيدات متكررة من مسؤولين سودانيين وروس على استمرار الاتفاق من حيث المبدأ رغم تأخر التنفيذ العملي بسبب الظروف السياسية والأمنية.

ثالثاً: ما وراء القاعدة العسكرية… استراتيجية النفوذ الناعم

القراءة المتأنية للمصادر الروسية والسودانية الحديثة تكشف أن موسكو لا تركز فقط على ملف القاعدة البحرية، بل تعمل على توسيع حضورها في مجالات الاقتصاد واللوجستيات والصناعة والثقافة والتعليم.

فخلال الاحتفال بالذكرى السبعين للعلاقات السودانية الروسية في موسكو، جرى الحديث بصورة واضحة عن مشروعات تعاون تشمل النقل والخدمات اللوجستية والتعاون الصناعي والثقافي والصحي، وهي مؤشرات على توجه روسي لبناء نفوذ طويل المدى يتجاوز البعد العسكري المباشر.

كما أن العلاقات الثنائية شهدت خلال السنوات الماضية تعاونًا في مجالات الطاقة والتعدين والبنية التحتية والتدريب الفني، وهي قطاعات تنسجم مع الرؤية الروسية لتعزيز حضورها الاقتصادي في إفريقيا.

رابعاً: اتفاق بورتسودان – سانت بطرسبيرغ… تطور استراتيجي غير مسبوق

من أبرز التطورات التي لم تحظَ حتى الآن بالاهتمام الكافي عربياً إعلان حكومة مدينة سانت بطرسبيرغ الروسية البدء في إجراءات إقامة علاقة توأمة وشراكة رسمية مع مدينة بورتسودان.

وتتجاوز أهمية هذه الخطوة الطابع البروتوكولي المعتاد لعلاقات التوأمة بين المدن، إذ إن سانت بطرسبيرغ تعد العاصمة البحرية والاقتصادية الثانية لروسيا بعد العاصمة موسكو ، ومركزًا رئيسيًا للصناعات البحرية والنقل والخدمات اللوجستية.

وبحسب الرسالة الرسمية الصادرة عن حاكم سانت بطرسبيرغ، فإن الشراكة المقترحة تستهدف التعاون في مجالات الخدمات اللوجستية و الصناعة و الثقافة و الصحة.

التعاون المؤسسي بين المدينتين.

وهذا يعني عمليا أن روسيا بدأت تنظر إلى بورتسودان ليس فقط كموقع لقاعدة بحرية محتملة، وإنما كشريك حضري واقتصادي طويل الأمد يمكن أن يشكل محوراً روسياً متقدماً على البحر الأحمر.

خامساً: دلالات استراتيجية

تشير المعطيات الحالية إلى أن السياسة الروسية تجاه السودان تمر بمرحلة إعادة صياغة تقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسية:

-دعم العلاقات السياسية مع الدولة السودانية ومؤسساتها السيادية.

-تأمين موطئ قدم استراتيجي على البحر الأحمر عبر بورتسودان.

-بناء شبكة نفوذ اقتصادي وثقافي ومؤسسي مستدامة تتجاوز الوجود العسكري التقليدي.

تكشف التطورات الأخيرة أن بورتسودان أصبحت تمثل بالنسبة لروسيا أكثر من مجرد ميناء أو موقع محتمل لقاعدة بحرية. فالمدينة تتحول تدريجياً إلى مركز رئيسي للعلاقات السودانية الروسية، وإلى منصة تجمع بين المصالح الدبلوماسية والاقتصادية واللوجستية والأمنية لموسكو في البحر الأحمر.

ومن ثم، فإن فهم مستقبل العلاقات السودانية الروسية لم يعد ممكناً من خلال متابعة ملف القاعدة البحرية وحده، بل يتطلب قراءة أوسع لدور بورتسودان باعتبارها نقطة الارتكاز الجديدة للنفوذ الروسي في السودان وشرق إفريقيا خلال العقد القادم.

د. أحمد علي عبدالقادر

مدير مركز الدرب للدراسات الاستراتيجية

زر الذهاب إلى الأعلى