كتاب رائ وعالمية

كلمات واجبة.. مي علي ادم تكتب.. عندما تلتقي الصحافة بطب العيون

الخرطوم | الآن نيوز

لم تكن باحة مستشفى مكة لطب العيون بشارع السيسي بمحلية كرري بأم درمان* ظهر الجمعة 10 أبريل 2026 مجرد ساحة انتظار. كانت مسرحاً كبيراً التقت فيه كل فصول الحكاية السودانية: القلم الذي يوثق، والعدسة التي ترصد، والوتر الذي يغني، والمشرط الذي يداوي. في مبادرة *”السلام والرحمة”* برعاية الفريق مالك عقار إير نائب رئيس مجلس السياد. وتنظيم *مركز عنقرة للخدمات الصحفية* بالتعاون مع *مؤسسة البصر العالمية*، تحولت باحة المستشفى من 2:00 ظهراً إلى 5:00 مساءً إلى كرنفال للبصر والبصيرة والفن. منذ اللحظة الأولى، كان المشهد في المستشفى مختلفاً. لم تكن طوابير مرضى، بل كان لقاء أهل بيت واحد. *الإعلاميون والصحفيون* جاؤوا بأقلامهم التي أرهقها الحبر الأسود. *الفنانون* حضروا بأصواتهم التي بحّت من ترديد المواويل الحزينة. *المسرحيون* دخلوا بوجوههم التي حفظت كل تعابير الوجع من خشبة المسرح. كلهم جاؤوا اليوم إلى مستشفى مكة ليُفحصوا لا ليُفحصوا. الاستقبال كان بابتسامة قبل أن يكون باستمارة. الطواقم الطبية استقبلت *الفنانة عابدة الشيخ* بزغرودة، فانطلقت ضحكة جماعية كسرت رهبة السماعة والسماعة. صحفي عجوز علّق نظارته المكسورة في جيبه وقال لزميله: “اليوم في مكة حنتصور للذكرى بدون ما نظهر معمشين”. وقف *المدير الإقليمي لمؤسسة البصر العالمية د. العاص أحمد كامل* وسط باحة المستشفى ولم يتحدث بلغة التقارير. تحدث بلغة الأرقام حين تتحول إلى بشر: *”وصلنا إلى 19 مليون مستفيد حول العالم.. والسودان وحده 50% من نبض هذه المؤسسة”*. 19 مليوناً ليست رقماً جامداً. هي 19 مليون مرة قيلت فيها كلمة “أرى” بعد عتمة. هي *658 مخيماً علاجياً* دخلت القرى لا للحرب، بل لوقف نزيف العتمة. هي *2,378 مدرسة* عادت فيها السبورة لتُرى. وكشف د. العاص أن السودان مركز إقليمي لـ28 دولة من أصل 54 تعمل فيها المؤسسة. وأعلن عودة مراكز مدني والكاملين للعمل، وإنشاء مستشفى جديد في بورتسودان رغم الحرب. والخطة القادمة: *200 ألف طالب* سيبصرون في 2026 عبر 26 مخيماً بالخرطوم وكسلا والبحر الأحمر، مع رفع عدد المخيمات من 2 إلى 53 مخيماً بالتعاون مع مركز الملك سلمان ووزارة الصحة. الرقم حين يُترجم على الأرض يعني أماً تعود لتطرز ثوب ابنتها، وجداً يعود ليقرأ المانشيت بدون صداع، وطفلاً يتوقف عن سؤال: “يا أستاذ أنا ما شايف”. ما جعل “السلام والرحمة” يوماً غير مسبوق لم يكن الطب وحده، بل الغناء الذي داوى الروح قبل العين. وسط أصوات المدافع البعيدة وذاكرة الحرب الثقيلة على الإعلاميين والصحفيين والفنانين والمسرحيين، ارتفعت أصوات *الفنانين الشباب* في باحة المستشفى فتحول الانتظار إلى طرب، والقلق إلى دندنة، والباحة إلى مساحة للفرح المسروق. هؤلاء الشباب الذين خرجوا من بيوت مهددة وقلوب مثقلة بفقدان زملاء وأماكن عرض، حوّلوا ساعات العلاج إلى لحظات من ليالي أم درمان التي لا تُنسى. *الفنانة عابدة الشيخ* لم تكتفِ بكلمتها التي ثمنت فيها رعاية هذه الشريحة، بل أمسكت بالمايك وغنت “يا وطني” فاندمج صوتها مع صوت جهاز الضغط. *عبد العظيم صالح* الكاتب والمحلل السياسي خلع نظارته القديمة بعد الفحص وقال: “شكلها السياسة محتاجة مقاس جديد.. والقلب كمان”. الإعلاميون والصحفيون الذين اعتادوا تغطية الجنائز، وجدوا أنفسهم يصفقون ويطلبون إعادة الأغنية. المسرحيون الذين أغلقت الحرب مسارحهم، وجدوا في مستشفى مكة فسحة أمل. كان العلاج النفسي يحدث على الهواء مباشرة، بلا وصفة طبية، فقط بأغنية سودانية أصيلة جعلت الكل ينسى أنه في مستشفى. *وزير الثقافة والإعلام الطيب سعد الدين* لم يكتفِ بالكلمة الرسمية. تجول بين غرف الكشف في المستشفى يستمع لهموم الزملاء، وقال إن مكة للعيون “لا يكاد يخلو بيت سوداني من خدماته”. *جمال عنقرة* أكد أن المبادرة “واجب ومسؤولية اجتماعية ستتوسع لولايات أخرى” لأن المبدع الذي يرى هو مبدع ينتج للسودان كله. *محمد الفاتح* ممثل اتحاد الصحفيين حيّا المبادرة وطالب باستمرارها لأن “الصحفي الذي لا يرى، لا يكتب”. *أمير أبو قرون مدير مستشفى مكة للعيون* اختصر 19 مليون قصة بكلمة واحدة وهو يرحب بالحضور: “سنستمر”. من اللقطات التي حفرت نفسها في الذاكرة: مصور صحفي يستلم نظارته الأولى في المستشفى ويرفع كاميرته فوراً ليلتقط صورة جماعية للفريق الطبي قائلاً “أول صورة واضحة من سنة”، ومسرحية شابة تبكي وهي ترى ملامح زميلتها بوضوح لأول مرة بعد سنوات وتقول “كنت بمثل إني شايفاكم.. اليوم شايفاكم صدق”. من 2:00 ظهراً إلى 5:00 مساءً، في مستشفى مكة، لم تُوزع نظارات فقط. وُزع اعتراف بأن العيون التي سهرت لتكتب، والعدسات التي تعبت لتوثق، والحناجر التي بحت لتغني، والوجوه التي تقمصت الوجع على الخشبة، كلها تستحق أن يُقال لها: “دورك الآن لترتاحي”. مبادرة “السلام والرحمة” أثبتت أن المستشفى قادر أن يكون أكثر من مستشفى. أن يكون بيتاً للمبدعين، ومركزاً للشفاء النفسي قبل الجسدي. وأن الشراكة بين المؤسسات الصحفية والطبية والفنية قادرة أن تصنع ترياقاً للحرب. الخبر ليس يوماً علاجياً مجانياً. الخبر أن المستشفى شهد اليوم الذي التقى فيه الوجع بالأمل. وأن *19 مليون* ليست سقفاً، بل عتبة بيت سوداني اسمه البصر. وأن الفن، حين يلتقي بالطب في زمن الحرب، يصبح هو العلاج. غادر الجميع وباحة المستشفى تودعهم بنظرات أوضح وقلوب أخف. كان يوماً قالت فيه العدسات الطبية للعدسات الصحفية، ولحناجر الفنانين، وللمسرحيين: “شكراً لأنكم تروننا ما لا نراه”.

زر الذهاب إلى الأعلى