كلمات واجبة.. مي علي آدم تكتب.. النيل بين برودة لحظة وقهر العمر
الخرطوم | الآن نيوز

مع كل موجة حر تخنق الخرطوم، وتحت وطأة انقطاع الكهرباء المتكرر، يتحول النيل من شريان حياة إلى فخ قاتل مفتوح.
على ضفافه البيوت تصبح جحيماً لا يُطاق، والجدران ترد اللهيب مضاعفاً، فيجد أبناؤنا أنفسهم بين خيارين أحدهما مر: الاختناق داخل الغرف، أو القفز في أحضان نهر لا يرحم. يخرج الأطفال في مجموعات إلى النيل للاستحمام، أعمارهم تتراوح ما بين( 13) إلى (16 )سنة، أغلبهم تلاميذ ابتدائي ومتوسط، فيتحول بحر السرحة شرق الثورات و”الموردة أم درمان” وكل ضفة قريبة إلى مسابح شعبية بلا سور ولا حارس ولا قانون.
رأيت بعيني ما يفطر القلب مرتين في مشوار واحد. المرة الأولى على شارع النيل قرب السرحة، حيث اصطفت مجموعات من الصبية أعمارهم ما بين (13) و(15) سنة، أجسادهم النحيلة تقفز إلى الماء واحداً تلو الآخر، يضحكون ويتصارعون مع تيار لا يمزح. والمرة الثانية كانت بشارع الموردة بأم درمان، في أيام عطلة عيد الأضحى المبارك، حين شاهدت بعيني بعيني هؤلاء الصبية. وأنا في طريقي من أم درمان إلى مقر الاتحاد العام للصحفيين السودانيين بالخرطوم، لمحت عدداً كبيراً من الطلاب أعمارهم تدل عليهم يرمون أنفسهم في النيل، يغسلون عرق الحر ويبحثون عن برودة لحظة، غير مدركين أن السطح الهادئ الذي يلعبون فوقه يخفي دوامات خفية وتيارات سفلية قادرة على سحب أقوى السباحين إلى القاع في لحظة. مشهدان مختلفان في المكان والزمان، نهايتهما واحدة إن لم نتحرك: طفل نزل يبحث عن برودة، وأسرة لم تكن تعلم بمكانه، لتفاجأ بعد ساعات بخبر “ابنكم غرق”، فتأتي إلى الضفة لا تنتظر عودته، بل تبحث عن جثمانه.
المشكلة ليست في تهور الأطفال وحدهم. الطفل بطبعه يركض خلف الحل الأسهل، وعقله الصغير لا يحسب العواقب. الكارثة الحقيقية في الفراغ الذي تركته الجهات المسؤولة. السرحة والموردة المطلة على النيل ليست مناطق مجهولة اكتشفناها اليوم. هي نقاط معلومة ومرصودة، يرتادها مئات الأطفال يومياً مع كل عصري صيف، ومع ذلك تغيب عنها فرق الدفاع المدني وشرطة المسطحات المائية. لا حواجز تمنع الوصول، لا لافتات تحذيرية تصرخ في وجه المتهور، لا منقذ واحد يقف بعوامته وصفارته ليوقف كارثة قبل أن تحدث. نحن لا نتحرك إلا بعد أن نسمع صراخ الأم وخبر “ابنكم غرق”، وعندها نهرع لننتشل الجثامين بدل أن ننقذ الأرواح.
أيها الآباء والأمهات، أعلم أن الحر قاتل وأن البيت بلا كهرباء يصبح سجناً، ولكن ألم السخانة أهون ألف مرة من قهر الفقد. راقبوا أبناءكم بعد نهاية اليوم الدراسي وفي العطلات، اسألوهم إلى أين يذهبون، وحدثوهم بصراحة: النيل ليس مسبحاً، والتيار لا يميز بين الشاطر والغشيم، والبرودة التي يشعر بها في أول لحظة نزول ستتحول إلى سكين في قلبكم إذا غاب. علموهم أن الماء من فوق يبدو ساكناً وجميلاً، لكنه من تحت عالم آخر لا يرحم. وفروا لهم البدائل ولو كانت بسيطة: مروحة، موية باردة، قطعة قماش مبلولة. كلها أخف وطأة من دمعة لن تجف.
وإلى قيادة شرطة الدفاع المدني وشرطة المسطحات المائية: وجودكم على شواطئ السرحة والموردة ليس إجراءً موسمياً نستدعيه بعد المصيبة. هو واجب يومي ومسؤولية مباشرة عن أرواح في أعناقكم. انشروا فرق الإنقاذ، ثبتوا نقاط مراقبة، وفروا عوامات وسترات نجاة على الضفاف الخطرة. لا تنتظروا الغريق القادم لتبدأوا العمل. تدخلوا الآن، اليوم، قبل أن نضيف اسم طفل جديد من أبناء الثورات أو السرحة أو الموردة إلى قائمة الضحايا الطويلة.
النيل نعمة عظيمة وهبها الله لنا، فلا تجعلوا الإهمال يحولها إلى نقمة تسرق فلذات أكبادنا واحداً تلو الآخر. وقبل أن تخطو قدم طفل إلى الماء، تذكروه: هناك أم على الضفة الأخرى تنتظره يعود سالماً. وقبل أن تغيب دورية الدفاع المدني عن الشاطئ، تذكروا: وجودكم قد يكون الفرق بين جنازة وبين طفل يعود إلى بيته ضاحكاً مبللاً، لكنه حي.

