كتاب رائ وعالمية

كلمات واجبة.. مي علي آدم تكتب.. إلى البارونة عائشة الماجدي.. لماذا إقالة الوالي؟

الخرطوم | الآن نيوز

بالرغم من أنني ما زلت أتفيأ ظلال النقاهة من جراحة دقيقة أُجريت لعيني اليمنى بمستشفى مكة لطب العيون بمحلية كرري – أمدرمان، لاستئصال لحمية كادت أن تسدل ستار العتمة الأبدي على بصري، وبالرغم من وصية الطبيب الحازمة: “اعتزلي الضوء والمداد والشاشات”، إلا أن قلمي أبى إلا أن ينتفض حين طالعت مقال “البارونة” عائشة الماجدي، وهي تطالب بكل ثقة بإقالة والي الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة، فتساءلت: لماذا إقالة الوالي يا بارونة؟ وقد رويتِ في مقالكِ أنكِ عدتِ إلى الخرطوم فوجدتِ داركِ قد تناثرت إلى قطع صغيرة، وبعد يومين من عودتكِ لزمتِ فراش المرض، ثم نهضتِ لتزوري صديقة لكِ بمنطقة جبرة مربع 4، فوجدتِ الكهرباء مقطوعة عن دارها، فكان حكمكِ الفوري: “أقيلوا الوالي”،

فهل صار حكم الإقالة يُبنى على مشهد في حي، وعلى انقطاع خدمة في ظل حرب ما زالت رحاها دائرة؟ وهنا من قلب كرري التي لم تغادرها روحي يوماً منذ فجر الخامس عشر من أبريل، أكتب شهادةً للتاريخ لا خصومةً للأشخاص، شهادةً لمدينة كانت الملاذ حين ضاقت الأرض، ولرجل كان سارية خيمتها حين اشتدت الريح، فاسمعي يا كرري وانصت يا زمان حين دوّت مدافع الغدر في الخامس عشر من أبريل 2023، ويمّم الخلق وجوههم شطر المنافي والولايات الآمنة، كان وجه والي الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة شطر كرري، لم يجئ لائذاً بل جاء ليذود، ليجعل من محلية مطوقة بالنار وطناً بديلاً يحتضن كل من لفظته الحرب، بأمره شُرعت أبواب المدارس قبل أبواب البيوت، لتستقبل سيول البشر من أمدرمان وبحري والخرطوم، ومن الجزيرة وسنار، ومن كردفان ودارفور، فإذا بكرري تتحول في أيام إلى “سودان مصغّر”، يحمله على عاتقه رجل واحد يخوض غمار أزمة بحجم دولة،

وكان ذلك تحت جحيم القذائف لا تحت سقوف القصور، فقد اتخذت المليشيا المتمردة من شرايين الحياة في كرري بنكاً لأهدافها، قصفت صهاريج المياه واستهدفت محولات الكهرباء في حرب تجويع وتعطيش ممنهجة غايتها تركيع المحلية وإفراغها من أهلها، فكان الانقطاع الشامل لأكثر من أربعة أشهر كاملة، كان الماء فيها أغلى من الذهب، والليل فيها سرمدٌ بلا قمر، ومع ذلك ما وهنوا وما استكانوا، لم يكن صمودهم رهاناً على الغيب بل رهاناً على رجل رأوه في الصفوف الأولى يقتسم معهم كأس العطش ومرارة الخوف، كانوا موقنين أن واليهم لن يألو جهداً حتى يعيد الروح إلى عروق المدينة،

وقد أعادها، لقد قاد محليةً بحجم وطن على كل الجبهات، يؤمّن ويُطعم ويُداوي، وإذا كنتِ يا سيدتي قد عدتِ لتجدي داركِ حطاماً ثم أضناكِ المرض بعد يومين، فأهل كرري قد صارعوا الموت في كل زاوية منذ عامين، تجرّعوا علقم الأوبئة الفتاكة وغير الفتاكة، والدواء المنقذ للحياة أندر من الماس، تساقط الناس بالحمى، بالمسيرات، بالدانات، فدفنوا موتاهم واحتسبوهم، وما جعلوا من الوالي كبش فداء لحرب لم توقدها يداه، لم يهتفوا “أقيلوه” حين عضّهم الجوع بنابه وانقطعت بهم السبل، لأنهم أدركوا أن هذه فاتورة حرب فُرضت علينا، لم يوقع صكها أحمد عثمان حمزة، بل كان هو من يسدّدها نيابةً عنا من عمره ودمه، كان البلسم لكل جرح غائر، شهدناه يدخل المستشفيات المتهالكة التي هدّها القصف وأنهكها شح الدواء، فإذا بالمرضى والجرحى والمصابين ينسون أوجاعهم في حضرته، يتحاملون على جراحهم النازفة وينهضون من أسرّة الوجع ليقفوا له إجلالاً وتحية، وفي لحظة فارقة تتبدل عنابر الأنين إلى كرنفالات فرح، ويغدو الوجع أملاً، وتتحول الآهات إلى هتاف، تلك هيبة القائد حين يكون أباً،

أما المراكز الصحية التي انتشرت في أحياء المحلية فقد وُلدت من رحم العدم، بتوجيه حاسم منه لتكون خط الصد الأول، ولتزيح عن كاهل المستشفيات المنهكة جبالاً من المعاناة، ورأيناه عند “التكايا” يسند جهد الخيرين بسلطان الدولة، وفي الأسواق يطمئن أن خبز الفقراء لا يُمس، وفي مراكز الإيواء يستقبل العائدين كأنه يستقبل أهله، لقد كان عقل كرري المدبر وقلبها النابض ودرعها الواقي، لم يخض معركة البقاء من مكتبه بل من متراس المواجهة الأول، وحين لبس الزي العسكري لم يكن ذلك للاستعراض بل كانت رسالة مشفّرة تقول: في زمن الحرب يصبح الوالي جندياً، والمدني مشروع شهيد،

فيا من تحكمين على الرجال من مشهد في جبرة مربع 4، إن العدل يقتضي أن تحكمي على المدينة كلها لا على شارع فيها، أما نحن أهل كرري الذين اكتوينا بنارها عامين فقد رأينا كل شيء وعشنا كل تفصيلة، والتاريخ لا تكتبه الزيارات العابرة بل تكتبه الأقدام الراسخة، وكرري الراسخة تشهد أن أحمد عثمان حمزة كان لها وكان بها ولم يخذلها قط، فلماذا إقالة الوالي يا بارونة؟ ألأنه أحيا محلية من موات وحمل وطناً على كتفيه حين انهارت الأكتاف، وسهر حين نام الناس، وضحى حين هرب الخائفون؟ ألأن الكهرباء قُطعت في جبرة بفعل فاعل معلوم هو من دمّر المحطات أصلاً؟ فليكن التاريخ شاهداً أننا في كرري لا نكافئ الأوفياء بالجحود، ولا نستبدل القائد الذي قاتل معنا بمن جلس يتفرج علينا من خلف الحدود أو من خلف الشاشات، فسلامٌ على كرري يوم صمدت، وسلامٌ على واليها يوم ثبت، وسلامٌ عليه يوم يشهد له الحجر والشجر أن هذا الرجل كان قدر الخرطوم في زمن العاصفة، وكان سندها حين مالت الجبال.

زر الذهاب إلى الأعلى