قضية بروكه ديسالاغني في لندن.. سفارة إريتريا تشكك في جنسيته وتحذر من انتحال الجنسية الإريترية

أعادت قضية الشاب بروكه ديسالاغني، البالغ من العمر 33 عاماً، الذي أُدين في بريطانيا باغتصاب رجل مسن خارج كنيسة القديس يوحنا في منطقة هارو شمال غربي لندن، فتح النقاش حول دقة المعلومات المتعلقة بجنسيات طالبي اللجوء والمهاجرين، بعدما شككت سفارة دولة إرتريا لدى المملكة المتحدة وأيرلندا في أن يكون المتهم مواطناً إرترياً.
وفي بيان صحفي صدر في لندن، قالت السفارة إنها لم تجد في سجلاتها شخصاً يحمل اسم بروكه ديسالاغني ومسجلاً لديها باعتباره مواطناً إرترياً، مشيرة إلى أنها طلبت من محكمة هارو كراون تقديم ما يثبت تمتعه بالجنسية الإرترية.
وأضافت السفارة أن الأدلة التي تثبت الأصل الإرتري للشخص المعني لم تُقدَّم لها، حتى تاريخ صدور البيان، رغم ورود وصفه في تقارير إعلامية بريطانية باعتباره إرترياً. وذكرت السفارة بالاسم كلاً من BBC وديلي ميل وديلي تلغراف وGB News.
وتأتي تصريحات السفارة بعد أيام من إدانة ديسالاغني أمام محكمة هارو كراون على خلفية الاعتداء الذي وقع في الساعات الأولى من صباح 23 يوليو/تموز 2025 بالقرب من كنيسة القديس يوحنا في هارو. وكانت الشرطة قد أعلنت آنذاك توجيه تهمة الاغتصاب إلى بروكه ديسالاغني، البالغ حينها 32 عاماً ومن دون عنوان ثابت، بعد توقيفه في موقع الحادث.
وبحسب التقارير التي تناولت الحكم الأخير، فقد أدانت هيئة المحلفين ديسالاغني بعد عرض أدلة، بينها تسجيلات كاميرات المراقبة وشهادة شخص شاهد جزءاً من الواقعة وأبلغ الشرطة. وتفيد التقارير بأن الاعتداء استمر لنحو 20 دقيقة، وأن الضحية، وهو رجل في الستينيات من عمره، كان في حالة سُكر شديدة وقت وقوع الحادث.
السفارة: القضية تتجاوز شخصاً واحداً
السفارة الإرترية لم تحصر بيانها في التشكيك في جنسية المتهم، بل وضعت القضية في إطار أوسع يتعلق بما وصفته بظاهرة انتحال الجنسية الإرترية من قبل بعض طالبي اللجوء في بريطانيا ودول أوروبية.
وقالت إن بعض الأشخاص، بحسب تقديرات نسبت إلى مسؤولين في أجهزة الهجرة البريطانية والأوروبية، يقدمون أنفسهم على أنهم إرتريون من أجل الاستفادة من سياسات اللجوء والحماية والهجرة.
وذكرت السفارة أن تقديرات متداولة تشير إلى أن ما بين 50 و70 في المئة ممن يعلنون أنهم إرتريون بين طالبي اللجوء ليسوا، بحسب هذه التقديرات، من أصول إرترية.
غير أن هذه النسبة ينبغي التعامل معها باعتبارها تقديراً منسوباً إلى السفارة، وليس إحصائية بريطانية رسمية مستقلة؛ إذ لم يتسنَّ التحقق من هذه النسبة من مصدر حكومي بريطاني منشور في المصادر المتاحة.
وتقول السفارة إن ظاهرة الادعاء غير الصحيح بالجنسية لا تضر فقط بسلامة إجراءات اللجوء، وإنما تنعكس أيضاً على صورة إرتريا ومواطنيها في المجتمعات الأوروبية، وتدفع الجنسية الإرترية إلى دائرة الجدل السياسي المرتبط بالهجرة واللجوء.
ملف الجنسية في نظام اللجوء البريطاني
وتكتسب مسألة تحديد الجنسية أهمية خاصة في نظام اللجوء البريطاني، إذ إن جنسية طالب الحماية وبلد منشئه وظروفه الشخصية تشكل عناصر أساسية في تقييم طلبه.
وكانت إرتريا من الجنسيات التي ظهرت بصورة متكررة بين طالبي اللجوء في بريطانيا خلال السنوات الماضية. وتظهر إحصاءات وزارة الداخلية البريطانية، على سبيل المثال، أن طلبات اللجوء من مواطنين أعلنوا أنهم إرتريون ارتفعت بنسبة 72 في المئة في السنة المنتهية في يونيو/حزيران 2021، ضمن قائمة الجنسيات العشر الأكثر تقدماً بطلبات اللجوء في ذلك العام.
لكن ارتفاع أعداد المتقدمين لا يعني، في حد ذاته، أن جميع المتقدمين من الجنسية نفسها، كما أن إثبات الجنسية أو الأصل الإثني مسألة منفصلة عن مجرد التصريح بها في طلب اللجوء.
ومن هنا تبرز حساسية موقف السفارة الإرترية، التي ترى أن ضعف آليات التحقق قد يسمح لبعض الأشخاص باستخدام الجنسية الإرترية كوسيلة للحصول على وضع قانوني أو حماية لا يستحقونها، وهو ما تقول إنه يؤدي في الوقت ذاته إلى تحميل الإرتريين الحقيقيين تبعات سلوك أشخاص لا يمثلونهم.
جالية إريترية لها حضور واضح في بريطانيا
وتأتي هذه القضية في بلد يضم جالية إرترية ذات حضور ملحوظ، ولا سيما في لندن ومناطق أخرى من إنجلترا.
وتشير بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني ONS المستندة إلى تعداد 2021 إلى أن 26,100 شخص في إنجلترا وويلز عرّفوا أنفسهم ضمن المجموعة الإثنية الإرترية، أي نحو 0.04 في المئة من إجمالي السكان المعتادين في إنجلترا وويلز.
وتوفر بيانات التعداد أيضاً تصنيفات تفصيلية للجماعة الإرترية ضمن البيانات الإثنية، بما في ذلك ضمن فئة السكان الأفارقة السود، وهو ما يعكس تنوع طرق تعريف السكان لأنفسهم في الإحصاءات البريطانية.
ويتركز جزء مهم من النشاط الإرتري في بريطانيا في لندن، حيث توجد مؤسسات وجمعيات وكنائس ومراكز اجتماعية وثقافية مرتبطة بالجالية، إلى جانب حضور سياسي ومدني متنوع يعكس الانقسامات الموجودة داخل المجتمع الإرتري في المهجر حول الحكومة في أسمرا وقضايا حقوق الإنسان والهجرة والخدمة الوطنية.
وتقول السفارة الإرترية في لندن إنها تمثل حكومة إرتريا لدى المملكة المتحدة وجمهورية أيرلندا، وإن من مهامها تطوير العلاقات الثنائية وتقديم الخدمات القنصلية وتعزيز العلاقات بين الشعبين.
لندن وأسمرا.. علاقة دبلوماسية قديمة وملفات خلافية
العلاقات بين بريطانيا وإرتريا تعود إلى مرحلة ما بعد استقلال إرتريا، إذ أقامت الدولتان علاقاتهما الدبلوماسية في نوفمبر/تشرين الثاني 1993، بينما تحتفظ إرتريا بسفارة في لندن، وتمثل بريطانيا مصالحها في إرتريا عبر سفارتها في أسمرا.
كما أن العلاقة تحمل إرثاً تاريخياً أقدم؛ فقد خضعت إرتريا للإدارة البريطانية بعد هزيمة القوات الإيطالية في شرق أفريقيا خلال الحرب العالمية الثانية، قبل أن تنتقل في 1952 إلى اتحاد مع إثيوبيا، ثم خاض الإرتريون حرب استقلال طويلة انتهت بإعلان الاستقلال في 1993.
وخلال العقود الماضية، حافظت بريطانيا على علاقات دبلوماسية مع أسمرا، لكنها في الوقت نفسه أبقت ملفات حقوق الإنسان والحريات والخدمة الوطنية في صلب انتقاداتها للحكومة الإرترية.
وأكدت الحكومة البريطانية في رد برلماني أن لندن تستخدم العلاقات الدبلوماسية مع أسمرا لمناقشة مجالات الاتفاق والاختلاف، مشيرة بصورة خاصة إلى وجود تباينات بشأن حقوق الإنسان والتنمية والقضايا الإقليمية.
وتؤكد وزارة الخارجية البريطانية حالياً أن سفارتها في أسمرا تعمل على الحفاظ على العلاقات وتطويرها مع الحكومة الإرترية، فيما تواصل لندن إصدار مواقف بشأن الوضع الحقوقي في إرتريا. وفي يوليو/تموز 2026، نشرت الحكومة البريطانية بياناً بشأن موقفها في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة حول إرتريا.
الهجرة وحقوق الإنسان في قلب العلاقة
ظل ملف الهجرة أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة البريطانية-الإرترية، بسبب استمرار وصول مواطنين إرتريين إلى أوروبا وبريطانيا وطلبهم الحماية الدولية، فيما تربط تقارير وبيانات حكومية بريطانية جزءاً من هذه الهجرة بالأوضاع السياسية والخدمة الوطنية المفتوحة في إرتريا.
وتقول الخارجية البريطانية إن قضايا مثل الاعتقال التعسفي وحرية التعبير وحرية المعتقد وطبيعة نظام الخدمة الوطنية ما زالت من أبرز مصادر القلق البريطاني تجاه أسمرا.
وفي المقابل، ترى الحكومة الإرترية أن جزءاً من الصورة الدولية المتعلقة بإرتريا يتشكل من روايات سياسية وإعلامية لا تعكس، من وجهة نظرها، الواقع داخل البلاد، كما تنتقد ما تعتبره استخداماً سياسياً لملف اللجوء والهجرة ضدها.
ويضاف إلى ذلك وجود نشاط سياسي إرتري في لندن بين مؤيدين للحكومة ومعارضين لها، وهو ما أدى في السنوات الماضية إلى توترات ومواجهات خلال فعاليات مرتبطة بالجالية. وقد أقرّت الحكومة البريطانية في البرلمان بأنها كانت على علم بفعاليات نظمتها الحكومة الإرترية والحزب الحاكم في أوروبا، بما فيها بريطانيا، وأن إحدى الفعاليات في لندن عام 2022 شهدت اشتباكات بين المشاركين والمتظاهرين أدت إلى اعتقالات.
ما الذي تريده السفارة؟
في ختام بيانها، دعت السفارة الإرترية السلطات البريطانية والأوروبية إلى تشديد آليات التحقق من هوية وجنسية طالبي اللجوء، معتبرة أن معالجة ما تصفه بالثغرات في النظام من شأنها حماية نزاهة سياسات الهجرة واللجوء، وفي الوقت نفسه منع ربط الجرائم أو السلوكيات الفردية بالجنسية الإرترية من دون أدلة موثوقة.
كما أكدت إدانتها لأي محاولة لانتحال الهوية أو الجنسية الإرترية، معتبرة أن مثل هذه الممارسات تسيء إلى الإرتريين الذين يعيشون في بريطانيا وأوروبا بصورة قانونية، وتلقي بظلالها على جالية لها وجود مستقر ومتزايد منذ عقود.
وبذلك تتحول قضية بروكه ديسالاغني من ملف جنائي يتعلق بجريمة وقعت في هارو إلى جدل أوسع حول الهوية والجنسية والهجرة واللجوء وصورة الجالية الإرترية في بريطانيا. وبينما تؤكد المحكمة إدانة المتهم في القضية الجنائية، يبقى تحديد جنسيته وأصله مسألة منفصلة تحتاج إلى أدلة رسمية واضحة، ولا يمكن حسمها بمجرد ما تنشره وسائل الإعلام أو ما يرد في البيانات السياسية.
وتحاول السفارة، من خلال بيانها، دفع السلطات البريطانية إلى الفصل بوضوح بين الفرد المتهم وسلوكه من جهة، وبين الجنسية الإرترية والجالية الإرترية من جهة أخرى، في وقت تظل فيه ملفات الهجرة وحقوق الإنسان والجالية الإرترية من أكثر القضايا حساسية في العلاقة بين لندن وأسمرا.

