كتاب رائ وعالمية

عميد ركن/ بدر الدين الفاضل يكتب.. أغسطس عابر 72

الخرطوم | الآن نيوز

على قارعة الحزن يشير صبى (الورنيش) باصبعه السبابة إلى حذائى العسكرى الثقيل فكل ما يبصره فى الحذاء مجرد جنيهات مبذولة للصبية العابرين مثله ثم بسرعته المعهودة. يمضى لجنيهات اخريات مبذولات على الأرصفة فكل حذاء عنده يفضى إلى حفنة من الجنيهات.

على قارعة الذكريات التى نفضها بفرشاة التلميع رايت ما لم يراه الصبى المستغرق فى ملهاة جنيهاته ، رايت بضع وثلاثين من سوسنات العمر تنقشع مع الغبار وقد تركت ما لن يبصره غيرى من ندوب خلفتها أحداث وحروب وكل الذى انقضى من العمر محصور بينها كيومين فقط يوم لانكسار وآخر لانتصار وليس بين اليومين إلا يوم واحد لتضميد الجراح ،كل هذه السوسنات ليست سوى ثلاثة عابرات، عابرة لانكسار واخرى لانتصار وثالثة بينهما منسية ،لن يرى صبى الورنيش الاودية وبقايا عشبها الملتصق على شقوق المطاط والفصول المختبئة مابين ثنايا الاربطة و لا المفازات والصحارى التى قتلت بهجتنا بغلواء. الظمأ الازلى و لا الادغال والجبال الموحشة التى مشيناها لآخر رمق ولن يطيق قلبه الندى إن رائ أو علم بما حملناه من اثقال وما بذرناه فى تراب الوطن من شهداء وما نزفناه من دماء وما ابتلعناه من غصات كالحجارة وما دفناه من اوراق وما احرقناه من أيام فالحذاء عنده ليس سوى سانحة ونقود.

وعلى قارعة ا خرى لاندهاشى يرقص احدهم فى مسرح نادى الضباط على انغام الحزن المنهمر من اغنية الحزن القديم وطيف الفرعون النوبى يترائى مغمض العينين وهو يردد ( ولا الحزن القديم إنتى) كيف يرقصون على مارشات العيد الثانى والسبعون للجيش هكذا وكانه مجرد عيد؟؟ الايبصرون جرح الجندى نفر كوكو الحطب راكوبه مرفعين الممدد على ربوة بصحراء العلمين نظير موعدة لم يف باشتراطاتها الواعد وذهب فداءا لها الموعود! ومابين صبى لايرى فى خطواتنا إلا نقود وآخرين يتراقصون على ايقاعات حزننا النبيل الممدود تمر الزكرى الثانية والسبعون للقوات المسلحة وكل الذى يراه الآخرين من اعيادنا انها مجرد اعياد مبذولة للطرب وبعض الدموع على قارعة مقاعد الشهداء الفارغة امام مسرح التكريم!

الترميز الكامن فى سيرة الجيش السودانى يظل قرين بالريادة الوطنية التى سبقت بالسودنة سودنة السودان نفسة وكانه الولد الذى ولد قبل ابيه! فى اسطورة ملحمية تخيلية ولكنها واقعية، ففى الرابع عشرة من اغسطس من العام 1954 اصبح الجيش سودانيا قبل ان يصبح السودان نفسه السودان المستقل وهذه الريادة تضع الجيش السودانى فى مقام وجودى لايمكن تجاوزة يقترن بوجودية الوطن نفسه ثم تتسلسل احداث تاريخية تضع مصير الوطن اللاحق بين يدى ابنه فى حتمية تاريخية متكرره تؤدم بينهما بوصال لاينفصم إلا فى عقول مريضة تغالط الوقائع وتنكر الواقع فجاءتها سنوات عجفاوات سبقت حرب ابريل لوت اعناقها تلقاء الجيش منقذها الازلى رغم انفها وقد ظنت انها حاكت ماسيعجز الجيش تدبيره ثم أمام الانظار استعاد الجيش النصاب الوطنى وتصدى لكل التحديات وابهر العالم بادارته للازمات الحربية والسياسية والاقتصادية لينتزع الاحترام بقوة الشكيمة حتف انف العالم هذا العالم الذى لايعترف إلا بمنطق القوة.

ألم يئن الاوان لتتفحص العين الوطنية قواتها المسلحة من الداخل وتحلل تجربتها كمؤسسة رائدة لها منهجياتها العقائدية والفكرية والادارية للكشف عن اسرار قوتها وصلابة تماسكها وادبيات تقاليدها ثم اسقاط نموزجها المجرب على كل هياكلنا ومنظماتنا فهى لاشك مكتسب وطنى مجرب اثبت رسوخه واختبر فى ادق معامل التجريب تحت اشراف العقل العالمى الشرير العاكف ابدا على حياكة المؤامرات والزج بالمنظمات التخريبية المتماهية فى مؤامرة تفكيك الجيش السودانى ولكن هيهات

آن الاوان أن لاتمر اعياد القوات المسلحة كاعياد احتفالية يتراقص الراقص الاشتر فيها على اغنيات ليست للتطريب كالحزن القديم.

مثلما انقضت سوسنات من العمر فى ملحمة الفداء الوطنية ستمضى القوات المسلحة السودانية نحو غاياتها عام بعد عام وسياتى فيه يوم لن ينظر فيه صبى الاورنيش للاحذية العسكرية وكانها فقط مجرد نقود مبذولة للسابلة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى