
نشرت الزميلة المميزة مها التلب خبرا مفاده تأكيد البرهان على مشاركة كل القوى السياسية في الحوار القادم ما عدا المؤتمر الوطني وتحالف تأسيس، بينما عقدت مشاوراته مع الإدارات الأهلية والأحزاب وممثلين من المجتمع المدني.
حسنا ..في هذا الإعلان تتجلى براعة سياسية تحسب له، إذ استطاع أن يمسك بخيوط اللعبة من منتصفها دون أن يترك الطاولة فارغة أو مزدحمة حد الفوضى.
كان ذكاء البرهان واضحاً في اختياره لخصومه فحين استبعد المؤتمر الوطني قطع الطريق على كل من يريد أن يصوره امتداداً للنظام السابق، وأعطى رسالة طمأنة للشارع وللعالم بأن المرحلة المقبلة لا مكان فيها لإعادة إنتاج الماضي. وباستبعاد تحالف تأسيس في الوقت نفسه وضع خطاً فاصلاً بين الدولة ومشروع الحرب، وقال للجميع إن الحوار لا يمكن أن يبدأ ممن حمل السلاح على الدولة ثم طلب مقعداً على طاولتها.
لكن الذكاء لم يقف عند الاستبعاد. فالبرهان لم يغلق الباب، بل فتحه على مصراعيه أمام ما تبقى من مكونات الساحة. جمع الإدارات الأهلية التي تملك امتداداً اجتماعياً في القرى والبوادي، والأحزاب التي تملك تاريخاً سياسياً، والمجتمع المدني الذي يملك نبض الناس في الخدمات وحقوق الإنسان. بهذا التشكيل نسج حزاماً واسعاً من الشرعية الشعبية، حيث يخرج الحوار من ضيق النخب إلى رحابة المجتمع، ويمنحه عمقاً كان ينقص كل التجارب السابقة.
الرجل يدرك أن أي تسوية لا تقوم على الأرض ستنهار في أول اختبار. لذلك ذهب إلى القواعد، إلى حيث يسكن الناس، لا حيث تتصارع البيانات. أراد حواراً يملك جذوراً قبل أن يملك عناوين. وأراد أيضاً أن يعيد تعريف من هو الطرف المدني المؤهل، لا أن يترك التعريف حكراً على تكتل واحد.
كما أن الرسالة للخارج كانت محسوبة بدقة. قال للمجتمع الدولي والإقليمي إنه مع الحوار لكن بشروط تحفظ هيبة الدولة. لا مساومة على الثوابت، ولا شراكة مع من ارتبط اسمه بالتمرد. بهذه الطريقة وضع الكرة في ملعب الآخرين: إما الجلوس وفق معايير الوطن، أو تحمل مسؤولية التعطيل.
قد يسأل البعض عن جدوى حوار استبعد منه طرفان. والرد أن السياسة فن الممكن. والبرهان اختار أن يبدأ بالمتفق عليه، لا بالمستحيل. اختار أن يجمع الصف الوطني أولاً، ثم يترك للزمن والحاجة أن تفرض بقية الحلول. يراهن على أن إرهاق الناس من الحرب سيجعلهم يبحثون عن أي مخرج واقعي، لا عن شعارات.
في المحصلة، ما قدمه البرهان ليس مجرد دعوة. هو مشروع إدارة أزمة بعقل بارد. مشروع يقوم على مبدأ بسيط: نبدأ بمن يمكن أن نبدأ معه، ونبني للسودان دولة تقف على أقدامها، بغطاء مدني وأهلي، وتحت سقف أمني يحميها. وحتى تكتمل الصورة، سيظل هذا الحوار شاهداً على أن الذكاء الحقيقي هو أن تعرف متى تستبعد، ومتى تشمل، ومتى تقول إن الوطن أكبر من الجميع.

