
حين تشتد العواصف وتضطرب البوصلة العامة يصبح وضوح الموقف عملة نادرة ويغدو الثبات على المبدأ صفة لا يملكها إلا القليلون وفي مثل هذه اللحظات تخرج الشخصيات من دائرة الأسماء إلى فضاء الرموز ومن حدود المواقع إلى رحابة التأثير
هكذا يمكن قراءة تجربة الجنرال مصطفى تمبور الذي لم ينتظر تغير الموازين ليحدد موقعه ولم يبحث عن منطقة آمنة بين المتناقضات بل اختار أن يكون حيث يرى أن واجبه الوطني يقوده فكان حضوره لافتاً وموقفه واضحاً ومسيرته جديرة بالتأمل
لقد قدمت معركة الكرامة نماذج متعددة من الرجال الذين انحازوا إلى الدولة ومؤسساتها الوطنية وكان مصطفى تمبور واحداً من أبرز الوجوه الشابة التي أعلنت موقفها منذ البدايات الأولى واضعة مصلحة السودان فوق كل اعتبار ومؤمنة بأن الأوطان لا تحفظها الأمنيات وإنما تحميها المواقف الشجاعة والإرادة الصلبة
وفي وقت فضلت فيه بعض القوى انتظار ما ستسفر عنه الأحداث اختار تمبور أن يقف في صف القوات المسلحة السودانية مدفوعاً بقناعته الوطنية وإيمانه بوحدة البلاد وسيادتها وهو موقف منح تجربته خصوصيتها وجعل اسمه حاضراً في وجدان قطاع واسع من السودانيين
غير أن الحديث عن مصطفى تمبور لا يقتصر على مواقفه الوطنية وحدها فالرجل يتمتع بصفات إنسانية وقيادية جعلته قريباً من الناس ومقبولاً لدى مختلف الشرائح الاجتماعية فهو يحترم الكبير ويقدر الصغير ويمنح الجميع مساحة من التقدير والاحترام ويتعامل مع المواطنين بروح المسؤولية لا بعقلية السلطة وهي خصال ظلت على الدوام أساساً لأي قيادة ناجحة وقادرة على بناء الثقة مع مجتمعها
كما أن ما يميز تجربته هو إيمانه العميق بدور الشباب في صناعة المستقبل فقد ظل يمثل نموذجاً للشاب السوداني الطموح الذي يؤمن بأن العمل العام رسالة قبل أن يكون موقعاً وأن خدمة الناس مسؤولية قبل أن تكون امتيازاً ولذلك استطاع أن يقدم صورة إيجابية للشباب السوداني القادر على تحمل المسؤولية متى ما أتيحت له الفرصة
وجاء اختياره والياً على ولاية وسط دارفور ليعكس حجم الثقة التي اكتسبها عبر مسيرته ومواقفه وليفتح أمامه مساحة أوسع لخدمة المواطنين والمساهمة في استقرار الولاية ودفع عجلة التنمية وإعادة بناء ما أفسدته سنوات حرب النزاعات والتحديات
ومع ذلك فإن كثيرين يرون أن إمكانات هذا القائد الشاب وخبراته المتراكمة ورؤيته الوطنية تؤهله للقيام بأدوار تتجاوز الإطار الولائي إلى فضاء قومي أرحب فالسودان اليوم بحاجة إلى قيادات تمتلك الجرأة في اتخاذ القرار والقدرة على مخاطبة المستقبل بعقلية وطنية شاملة بعيداً عن الحسابات الضيقة والانتماءات المحدودة
إن التجارب الناجحة في العالم أثبتت أن نهضة الأمم تبدأ عندما تفتح الأبواب أمام الكفاءات الشابة وتمنحها الثقة والمسؤولية فالشباب ليسوا مشروع مستقبل فحسب بل هم شركاء الحاضر وصناع التحولات الكبرى وقوة الدفع الحقيقية نحو البناء والاستقرار والتنمية
ومن هنا فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى توسيع مشاركة الشباب المؤهلين في مؤسسات الدولة المختلفة وفي مواقع اتخاذ القرار لأن السودان يمتلك طاقات وطنية كبيرة تستحق أن تجد فرصتها الكاملة في خدمة الوطن والمواطن
إن مصطفى تمبور يمثل مثالاً حياً لجيل جديد من القيادات الوطنية التي تشق طريقها بالعمل والمواقف لا بالضجيج وبالإنجاز لا بالشعارات وهو نموذج يؤكد أن السودان ما زال قادراً على إنجاب شخصيات تحمل هم الوطن وتؤمن برسالته وتعمل من أجل مستقبله
وفي زمن تتطلع فيه البلاد إلى مرحلة جديدة من التعافي والاستقرار تبقى الحاجة قائمة إلى أمثال هؤلاء الشباب الذين يملكون وضوح الرؤية وشجاعة القرار ونظافة المقصد لأن الأوطان تبنى بالعقول المؤمنة بها وبالسواعد المخلصة لها وبالرجال الذين يختارون جهة الوطن منذ اللحظة الأولى ولا يغيرون وجهتهم مهما تبدلت الظروف

