د/أحمد علي عبدالقادر يكتب.. “البحر الأحمر” كنز السودان المسروق تحت أنظار القانون الدولي.
الخرطوم | الآن نيوز

على بعد أميال قليلة من شواطئ بورتسودان، تمتد ثروات هائلة في أعماق البحر الأحمر: معادن نادرة، نفط وغاز، وكائنات بحرية فريدة. لكن السودان، رغم موقعه الاستثنائي على شريان الملاحة العالمي، لا يزال يكتفي بدور المتفرج بينما تتسابق القوى الكبرى على تقسيم الثروات البحرية وفقاً لمصالحها الاستراتيجية.
السؤال المحظور: لماذا يلتزم السودان باتفاقيات دولية تُقيد حريته، بينما دول كبرى غير موقعة على قانون البحار تمارس كامل سيادتها دون أعباء قانونية؟
مياه مقيدة.. وجيران أكثر جرأة
فرّقت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (1982) المياه إلى مناطق ذات سيادة وولايات قضائية مختلفة. السودان، كدولة موقعة، يلتزم بتعقيدات إدارية وقانونية حدّت من وتسارع خطوات التنقيب والاستثمار البحري. بالمقابل، تنعم دول مثل الولايات المتحدة (غير موقّعة على الاتفاقية) بهدَفِ حركة أوسع استراتيجيًا وسياسيًا.
النتيجة؟ ملفات التنقيب السودانية تدور في دوائر الخوف من العقوبات والقيود الدولية، بدل أن تُدار بعقلية “المصلحة الوطنية أولاً”.
ماذا خسر السودان؟
منذ عقود، أجلّت الخرطوم مشاريع عملاقة:
· الموارد المعدنية تحت قاع البحر الأحمر (تقديرات بمليارات الدولارات).
· الاستثمار السياحي واللوجستي للممر الملاحي الأكثر ازدحامًا في العالم.
· حقوق الصيد والغاز الطبيعي في المياه العميقة.
كلها ملفات جُمّدت تحت وطأة “التوافق الدولي” بينما دول أخرى تنشط بلا توقيع أو توقّف.
هل الوقت قد حان للخروج من القمقم القانوني؟
“السيادة لا تعني العزلة”، “لكنها تعني أن يكون للسودان الحق في مراجعة أي التزام دولي لا يحقق له مكاسب فعلية”.
يدعو باحثون إلى حوار وطني جريء حول:
· مراجعة بعض الاتفاقيات البحرية التي تُقيّد القدرات السودانية دون تعويض عادل.
· دراسة تجارب دول غير موقعة على اتفاقية البحار ونجاحها في حماية مصالحها دون عقوبات.
· استثمار الموقع الاستراتيجي بجرأة سياسية وقانونية، لا خوفًا من ردود فعل خارجية.
بين السيادة النظرية والممارسة
امتلاك السودان لأحد أطول سواحل البحر الأحمر ليس مجرد ميزة جغرافية، بل ثقل جيوسياسي يمكن أن يحوّل الدولة من مستورد إلى لاعب إقليمي مؤثر. لكن ذلك لن يتحقق طالما أدارت النخبة السياسية والاقتصادية ملف البحر بعقلية المُقيّد لا المُحرّر، وبمنطق “تحاشي الغضب الدولي” بدل “اقتناص المصالح الوطنية”.
الجرأة السياسية اليوم قد تكون مفتاحاً لتحرير كنوز المستقبل التي يغسلها ملوّح البحر الأحمر أمام الجميع… إلا أصحابها الشرعيين.

