منوعات وفنون

حقيبة أموال منسية وطيار يواجه الموت.. حكايات عادل المفتي التي تتجاوز الخيال في “حائط برلين الآخر “

الخرطوم | الآن نيوز

دشّن الكاتب السوداني عادل المفتي كتابه «حائط برلين الآخر: حكاوي مغايرة لإنسان مغاير»، خلال فعالية أقيمت بفندق القراند هوتيل بالخرطوم، بحضور عدد من الكتاب والمثقفين والإعلاميين والمهتمين بالشأن الثقافي، وشهدت تقديم قراءات نقدية تناولت الكتاب من زوايا إنسانية وفكرية وسردية وفنية.

 

ويأتي الكتاب بوصفه حصيلة سنوات من التجربة والتأمل والكتابة، إذ جمع المفتي فيه عدداً من القصص والمقالات التي سبق أن نشر بعضها عبر صفحته في موقع «فيسبوك»، قبل أن يدفعه تشجيع القراء والأصدقاء إلى جمعها في إصدار واحد. ويقول المؤلف إن الكتاب اكتمل منذ عام 2019، إلا أن ظروفاً مختلفة أخّرت تدشينه حتى الفعالية الحالية.

 

ولا يقدم المفتي تجربته في صورة سيرة ذاتية تقليدية، بقدر ما يحاول تحويل الوقائع التي عاشها أو عاصرها إلى حكايات تحمل دلالات تتجاوز أصحابها، وتمنح القارئ فرصة للعثور على شيء من تجربته وأسئلته داخل النص. ومعظم حكايات الكتاب، بحسب المؤلف، تستند إلى أحداث حقيقية، لكنها لا تتوقف عند سرد الواقعة، وإنما تنفتح على أسئلة تتصل بالإنسان والحياة والإيمان والطموح والمجتمع.

 

من التجربة الشخصية إلى المعرفة

 

وأوضح المفتي أن الفكرة المحورية التي تحرك الكتاب تتمثل في ضرورة تحويل التجارب الإنسانية إلى معرفة مشتركة، خصوصاً بالنسبة إلى الأجيال الجديدة، معتبراً أن الحياة تمنح الإنسان الكثير من الخبرات، لكن القيمة الحقيقية لهذه الخبرات تظهر عندما يتم توثيقها واستخلاص الدروس منها ومشاركتها مع الآخرين.

 

ويحمل الكتاب، وفق المؤلف، رسالة موجهة بصورة خاصة إلى الشباب، مفادها عدم الاستسلام للإحباط أو السماح للأحكام السلبية بأن تتحول إلى قيود على الطموح والاختيارات.

 

واستعاد المفتي في هذا السياق تجربة شخصية من سنوات دراسته في مجال الطيران، حين نصحه أحد الأشخاص بترك دراسة الطيران والبحث عن مجال آخر باعتبار أن ذلك قد يكون أكثر جدوى من الناحية المادية. ويرى أن إدراج القصة في الكتاب يأتي للتنبيه إلى الأثر الذي يمكن أن تتركه النصائح المحبطة في حياة الإنسان، مؤكداً أن كلمة عابرة قد تتحول أحياناً إلى عامل مؤثر في قرار مصيري.

 

ودعا أصحاب التجارب والأفكار والمشروعات الثقافية والمعرفية إلى الكتابة وتوثيق ما مروا به، وعدم انتظار الظروف المثالية أو التشجيع من الآخرين، مشيراً إلى أن كثيراً من الأشخاص يرحلون دون أن يتركوا للأجيال التالية خلاصة ما تعلموه وخبروه.

 

وأكد أن القراءة والكتابة مساران متلازمان في بناء المعرفة والوعي، معتبراً أن «حائط برلين الآخر» يمثل بداية لمسار يأمل أن يواصل خلاله الكتابة والتوثيق، كاشفاً عن وجود كتابين آخرين له تحت الطباعة، إلى جانب كتابه «زول ساكن».

 

عنوان يستوعب التناقض والتنوع

 

وحول عنوان الكتاب، أوضح المفتي أن تسمية «حائط برلين الآخر» جاءت انعكاساً لتنوع الموضوعات التي يضمها العمل، إذ ينتقل بين الطيران والسياسة والدين والمجتمع وتفاصيل الحياة اليومية، مستعيناً بالنصوص القرآنية والدينية في بناء عدد من تأملاته.

 

وبذلك لا يبدو «الحائط» في الكتاب مجرد إحالة تاريخية، وإنما استعارة لمساحات الفصل والحواجز التي تحيط بتجارب الإنسان وأسئلته، بينما تقوم الحكاية بدور العبور من واقعة محددة إلى معنى أكثر اتساعاً.

 

إبراهيم الأمين: المفتي يتجاوز الكتابة إلى خدمة المجتمع

 

من جانبه، تناول رئيس مجلس مركز 6 أبريل للدراسات الاستراتيجية والثقافية، إبراهيم الأمين، تجربة المفتي من زاوية تتجاوز الجانب الأدبي إلى حضوره في المجتمع.

 

وقال الأمين إن علاقته بالمؤلف تمتد لسنوات، مشيراً إلى صلته بمركز 6 أبريل، ووصف المفتي بأنه «مواطن من الدرجة الأولى»، مستشهداً باهتمامه بالتعليم ومساعدة الطلاب، إلى جانب إسهاماته في المجال الرياضي والعمل العام.

 

وتحدث الأمين عن تجربة مركز 6 أبريل، الذي قال إنه نشأ من مجموعة من السودانيين المنشغلين بالقضايا الوطنية والساعين إلى استعادة دور المواطن في معالجة أزمات البلاد، مؤكداً أن المركز يسعى إلى توفير مساحة للحوار والاستماع إلى الرأي الآخر.

 

وفي سياق حديثه عن الشأن السوداني، شدد الأمين على أن الأزمة في البلاد لا يمكن حلها بالسلاح أو بإقصاء طرف لمصلحة طرف آخر، داعياً إلى مراجعة الأسباب التي قادت السودان إلى واقعه الراهن، وفتح حوار واسع حول المستقبل بعيداً عن المحاصصة والصراع على المناصب.

 

وأكد حاجة السودان إلى مجتمع يقوم على المساواة والانفتاح، وإلى حوار وطني يجعل مصلحة البلاد فوق المصالح الحزبية والشخصية، مع رفض الوصاية الخارجية على القرار الوطني.

 

عثمان ميرغني: التفاصيل اليومية تتحول إلى أسئلة كبرى

 

وقدم رئيس تحرير صحيفة «التيار» عثمان ميرغني قراءة في الكتاب، ركز خلالها على الطريقة التي ينظر بها المفتي إلى التفاصيل اليومية وقدرته على تجاوز ظاهر المشهد إلى ما يمكن أن يخفيه من دلالات.

 

وقال ميرغني إن الكاتب لا يتعامل مع الحدث بوصفه واقعة مكتملة، وإنما يبحث عما وراءه من معانٍ، مستفيداً من التأمل والتفكر والإيمان للوصول إلى مستويات أعمق من القراءة.

 

واستشهد بقصة الأطفال الذين زاروا موقع عمل المفتي في مطار الخرطوم، موضحاً أن واقعة تبدو عادية تحولت في سرد الكاتب إلى مدخل للحديث عن الطفولة وذاكرة المجتمع وبعض القيم المرتبطة بالشخصية السودانية.

 

وأشار إلى حضور القرآن الكريم والحديث الشريف في عدد من حكايات الكتاب، مبيناً أن المفتي يوظف النصوص الدينية في علاقته بالتجربة الشخصية، بحيث تصبح الحكاية نقطة انطلاق نحو مساحة أوسع من التفكير والتأمل.

 

وتوقف ميرغني عند قصة الطيار التي وصفها بأنها من أكثر حكايات الكتاب إثارة، إذ يتعرض قائد الطائرة لأزمة صحية مفاجئة أثناء الرحلة، ويجد المفتي نفسه أمام مسؤولية التعامل مع الموقف والمساهمة في إنقاذ الطائرة وركابها، قبل أن تنتهي الرحلة بهبوط آمن.

 

ويرى ميرغني أن أهمية الحكاية لا تنبع من عنصر التشويق وحده، وإنما من انتقال الكاتب من الحدث الواقعي إلى التأمل في الإيمان والحياة والموت، لتتحول الواقعة إلى سؤال فكري وإنساني.

 

كما تناول حكاية سوداني عاد من الاغتراب حاملاً مدخراته، ثم نسي حقيبة أمواله في مطار الخرطوم، قبل أن يعثر عليها أحد الأشخاص ويحافظ عليها حتى عودته، معتبراً أن القصة تقدم نموذجاً لقيمة الأمانة وتكشف جانباً من القيم الاجتماعية السودانية.

 

وفي ملاحظاته النقدية، أشار ميرغني إلى كثرة استخدام الأقواس والاستدراكات في النص، معتبراً أنها قد تؤثر أحياناً في انسيابية القراءة، ودعا المؤلف إلى تخفيفها في أعماله المقبلة.

 

مصطفى الصاوي: بين السيرة والحكاية

 

من جهته، قدم الناقد الفني الدكتور مصطفى الصاوي قراءة ركزت على البناء الفني والسردي للكتاب، وعلى المسافة التي تفصل السيرة الذاتية عن الكتابة الأدبية.

 

وتوقف الصاوي عند عنوان العمل، وما يثيره من أسئلة بشأن طبيعة النص وحدود الانتقال من التجربة الشخصية إلى الحكاية القابلة للقراءة والتأويل.

 

وأشار إلى أن المفتي اختار الحكاية وسيلة للبوح والتوثيق، محولاً الوقائع الشخصية إلى مادة سردية ذات أبعاد فنية وإنسانية تتجاوز صاحب التجربة، كما تناول أثر النشأة والأسرة في تكوين شخصية الكاتب، متوقفاً عند حضور الأبوة والأمومة والجذور الأولى للتجربة الإنسانية.

 

عادل المفتي.. نبذة تعريفية

 

عادل المفتي كاتب ومؤلف سوداني يجمع في تجربته بين الكتابة والتجربة المهنية والعمل المجتمعي والاهتمام بالشأن الثقافي والمعرفي. وتنعكس خلفيته في مجال الطيران بصورة واضحة في عدد من حكاياته وتأملاته، حيث يستثمر بعض الوقائع المهنية والإنسانية في بناء سرد يتجاوز الحدث إلى أسئلة تتعلق بالمسؤولية والخوف والإيمان والحياة والموت.

 

وتقوم تجربته الكتابية على التقاط التفاصيل اليومية وتحويلها إلى مادة للتأمل، مع حضور واضح للبعد الإنساني والديني والاجتماعي. وقد نشر جانباً من كتاباته ومقالاته وحكاياته عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن يجمع جزءاً منها في كتابه «حائط برلين الآخر: حكاوي مغايرة لإنسان مغاير».

 

وإلى جانب الكتاب، يرتبط اسم المفتي بكتابات أخرى، من بينها «زول ساكن»، فيما أعلن خلال تدشين «حائط برلين الآخر» عن وجود كتابين جديدين تحت الطباعة، بما يشير إلى رغبته في مواصلة مشروعه في الكتابة والتوثيق.

 

وتكشف تجربة المفتي عن اهتمام يتجاوز إنتاج النص إلى المشاركة في قضايا المجتمع، ولا سيما التعليم ومساعدة الطلاب والعمل العام والرياضة، وهو ما جعل القراءات التي قدمت في حفل التدشين تنظر إلى تجربته بوصفها امتداداً بين الكاتب والمواطن، وبين الحكاية الشخصية والمسؤولية تجاه المجتمع.

 

الحكاية بوصفها ذاكرة مشتركة

 

في المحصلة، بدا «حائط برلين الآخر» أكثر من مجرد مجموعة من الحكايات الشخصية؛ فهو محاولة لتحويل الذاكرة الفردية إلى مساحة مشتركة للتأمل، وإعادة قراءة التفاصيل الصغيرة باعتبارها مفاتيح لأسئلة أكبر حول الإنسان والمجتمع والإيمان والطموح.

 

ومن خلال تنوع موضوعاته بين الطيران والسياسة والدين والمجتمع والتجارب اليومية، يسعى عادل المفتي إلى تقديم كتابة تنطلق من الواقع لكنها لا تبقى أسيرة له، بل تحاول أن تستخرج من الواقعة درساً، ومن التجربة معرفة، ومن الحكاية سؤالاً مفتوحاً أمام القارئ.

 

واختتم المفتي حديثه بالتأكيد على أن الكتاب يمثل بداية لمسار يأمل أن يواصل خلاله الكتابة والتوثيق، وأن تسهم إصداراته المقبلة في إثراء المشهد الثقافي السوداني، وتشجيع القارئ على استعادة علاقته بالكتاب، والتفكير في تجربته الخاصة، وتحويل ما يعيشه إلى معرفة يمكن أن تنتفع بها الأجيال من بعده.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى