كتاب رائ وعالمية

حادث خطير لطائرة الخطوط الفيتنامية في ميونيخ

الخرطوم | الآن نيوز

شهد مطار ميونيخ الدولي في ألمانيا، السبت 15 أغسطس، حادثاً خطيراً لطائرة تابعة لـ«الخطوط الجوية الفيتنامية» من طراز بوينغ 787-9 دريملاينر، أثناء إقلاعها في رحلة دولية إلى العاصمة الفيتنامية هانوي، قبل أن تتمكن الطائرة من العودة والهبوط بسلام، دون تسجيل إصابات وفق المعلومات الأولية المتاحة.

 

وكانت الطائرة، المسجلة تحت الرقم VN-A867، تشغّل الرحلة VN34 من ميونيخ إلى هانوي. وبحسب المعطيات الأولية، واجهت الطائرة اضطراباً خلال مرحلة الإقلاع، حيث تم رصد دوران متأخر للطائرة قبل أن تلامس مؤخرة هيكلها سطح المدرج، في حادث يعرف في قطاع الطيران باسم «ضربة الذيل» (Tail Strike). كما تشير التقارير إلى أن الطائرة تجاوزت نهاية المدرج لمسافة محدودة قبل أن تتمكن من الارتفاع والتحليق.

 

وبعد الإقلاع، أبلغ الطاقم عن وجود مشكلة فنية، فيما أشارت التقارير الأولية إلى رصد أضرار أو مشكلات مرتبطة بمعدات الهبوط والإطارات، الأمر الذي دفع الطاقم إلى اتخاذ قرار العودة إلى مطار ميونيخ.

 

وحلقت الطائرة في أجواء المنطقة لفترة من الوقت بهدف تصريف جزء من الوقود وخفض وزنها قبل الهبوط، وهو إجراء احترازي متبع في بعض الحالات عندما تكون الطائرة بحاجة إلى العودة بعد وقت قصير من الإقلاع وهي لا تزال تحمل كمية كبيرة من الوقود المخصصة لرحلة طويلة. وبعد ذلك عادت الطائرة إلى مطار ميونيخ وهبطت بسلام.

 

وأفادت التقارير المتاحة بأن جميع الركاب وأفراد الطاقم نجوا من الحادث دون إصابات، فيما خضعت الطائرة للفحص على الأرض لتقييم الأضرار وتحديد ما إذا كانت صالحة للخدمة من جديد. كما أدى توقف الطائرة على المدرج إلى تأثيرات مؤقتة على عمليات المطار وتحويل بعض العمليات إلى مدرج آخر.

 

ماذا حدث أثناء الإقلاع؟

 

لا تزال الصورة الفنية الكاملة للحادث غير محسومة، ومن المبكر تحديد السبب المباشر. إلا أن المعلومات الأولية تشير إلى أن الطائرة أجرت عملية الدوران (Rotation) في مرحلة متأخرة من مسافة الإقلاع، ما أدى إلى تماس الجزء الخلفي من هيكلها مع سطح المدرج.

 

ويُعد الدوران مرحلة حساسة للغاية في الإقلاع، إذ يقوم الطاقم برفع مقدمة الطائرة إلى زاوية محددة تسمح بتحقيق قوة الرفع المطلوبة والانفصال عن سطح المدرج. وفي حال حدث ذلك في توقيت أو زاوية غير مناسبين، فقد تتعرض مؤخرة الطائرة للاحتكاك بالمدرج، كما يمكن أن تتفاقم المخاطر إذا كانت الطائرة قد قطعت معظم طول المدرج قبل تحقيق الإقلاع.

 

وتشير التقارير الأولية في حادث ميونيخ إلى وجود آثار مرتبطة بضربة الذيل وأضرار في الإطارات ومعدات الهبوط، لكن لا يمكن في هذه المرحلة الجزم بأن أحد هذه العوامل كان السبب الأول للحادث، إذ إن تحديد التسلسل الدقيق للأحداث مسؤولية جهات التحقيق المختصة.

 

ما المقصود بضربة الذيل؟

 

«ضربة الذيل» ليست بالضرورة حادثاً كارثياً، لكنها من الأحداث التي تحظى باهتمام كبير في مجال سلامة الطيران، لأنها قد تؤدي إلى أضرار هيكلية متفاوتة الخطورة.

 

وتعرّف «إياتا» ضربة الذيل بأنها تماس مؤخرة الطائرة مع سطح المدرج أثناء الإقلاع أو الهبوط أو تنفيذ عملية إعادة الإقلاع. وقد تتطور بعض الحالات إلى أضرار كبيرة في جسم الطائرة أو خروجها عن المدرج. وتوضح بيانات المنظمة أن معظم حوادث ضربة الذيل تقع أثناء الهبوط أو إعادة الإقلاع، إلا أنها يمكن أن تحدث أيضاً أثناء الإقلاع.

 

وتكمن الخطورة بشكل خاص عندما يحدث الاحتكاك قبل أن تغادر الطائرة الأرض، إذ يمكن أن تتعرض أجزاء من جسم الطائرة لأضرار هيكلية مهمة. وفي الحالات الشديدة، قد يتضرر الجزء الخلفي المضغوط من هيكل الطائرة، وهو ما يستدعي فحصاً هندسياً دقيقاً قبل السماح للطائرة بالعودة إلى الخدمة.

 

حوادث تجاوز المدرج.. خطر معروف في عالم الطيران

 

أما تجاوز المدرج (Runway Overrun) فهو من فئات الحوادث المعروفة في الطيران التجاري، ويحدث عندما تستمر الطائرة في الحركة إلى ما بعد نهاية المدرج، سواء أثناء الإقلاع أو الهبوط.

 

وتشير إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية إلى أن حوادث الخروج عن المدرج، سواء عبر نهايته أو جانبه، كانت تاريخياً عاملاً في عدد من الحوادث البارزة، ما دفع قطاع الطيران إلى تطوير إجراءات تشغيلية ومتطلبات تصميمية تهدف إلى تقليل احتمال وقوعها والحد من نتائجها.

 

كما خلصت دراسات السلامة الجوية إلى أن حوادث الخروج عن المدرج تمثل جزءاً مهماً من حوادث الطيران التجاري، وتشمل نوعين رئيسيين: تجاوز نهاية المدرج (Overrun) والخروج من جانبه (Veer-off).

 

ولا يعني تجاوز المدرج بالضرورة وقوع كارثة؛ فشدة النتيجة تعتمد على سرعة الطائرة، والمسافة المتبقية، وطبيعة المنطقة الواقعة خلف المدرج، ووجود مناطق أمان، إضافة إلى قدرة الطاقم على السيطرة على الطائرة.

 

حوادث مشابهة لطائرات بوينغ 787

 

ولا يُعد حادث ميونيخ أول واقعة تتعلق بضربة ذيل لطائرة من طراز بوينغ 787.

 

ففي فبراير 2020، تعرضت طائرة بوينغ 787-9 تابعة لشركة كانت تشغل رحلة من مطار هيثرو في لندن لضربة ذيل أثناء الإقلاع في ظروف رياح قوية وهبات شديدة. وأظهر التحقيق البريطاني أن تغيرات في سرعة الهواء ترافقت مع مدخلات أكبر من المعتاد على التحكم في زاوية الطائرة، ما أدى إلى تماس حساس ضربة الذيل مع المدرج.

 

كما شهدت طائرة أخرى من طراز 787-9 حادثة خروج عن المدرج في مطار غاتويك عام 2018، بعدما بدأت عملية الإقلاع من نقطة مختلفة عن تلك المطلوبة للأداء المعتمد للطائرة، وهي واقعة سلط التحقيق فيها الضوء على أهمية معرفة الطاقم بخصائص المدرج وموقع بداية الإقلاع.

 

وتوضح هذه الوقائع أن حوادث المدرجات وضربات الذيل ليست مرتبطة حصراً بنوع واحد من الطائرات، وإنما قد تنشأ عن مجموعة متداخلة من العوامل، تشمل ظروف الرياح، وأداء الطائرة، ووزنها، وإعدادات الإقلاع، وحالة المدرج، وطريقة تنفيذ إجراءات الإقلاع، إضافة إلى العوامل البشرية والتشغيلية.

 

التحقيق هو الفيصل

 

في حادث الطائرة الفيتنامية في ميونيخ، يبقى السؤال الأهم هو: لماذا حدث الدوران في وقت متأخر، وما الذي أدى إلى تجاوز نهاية المدرج ووقوع الأضرار؟

 

الإجابة لن تأتي من الصور أو مقاطع الفيديو وحدها، وإنما من تحليل بيانات الطائرة ومسجل بيانات الرحلة ومسجل أصوات قمرة القيادة، إلى جانب فحص المدرج والطائرة والإطارات ومعدات الهبوط، ومراجعة الأحوال الجوية، ووزن الطائرة، وإعدادات الإقلاع، وتعليمات مراقبة الحركة الجوية وإجراءات الطاقم.

 

لذلك، فإن أي حديث عن سبب محدد للحادث في هذه المرحلة يجب التعامل معه باعتباره فرضية غير مؤكدة إلى حين صدور نتائج التحقيق الرسمي.

 

ويبقى الجانب الإيجابي الأبرز في الواقعة أن الطاقم تمكن من إبقاء الطائرة في الجو بعد الحادث، واتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة، ثم العودة إلى ميونيخ والهبوط بسلام، ما حال دون تحول واقعة خطيرة أثناء الإقلاع إلى حادث أكثر خطورة.

 

وتستمر التحقيقات الفنية لتحديد التسلسل الكامل للأحداث والأسباب المباشرة والعوامل المساهمة في الحادث، على أن تكون النتائج الرسمية هي المرجع النهائي في تحديد المسؤوليات والأسباب.

زر الذهاب إلى الأعلى