كتاب رائ وعالمية

الموت ينحدر من الجبال.. فيضان هائل يبتلع قرى نيبال ويخلف مئات القتلى والمفقودين

الخرطوم | الآن نيوز

تواصل فرق الإنقاذ في نيبال عمليات البحث عن ناجين ومفقودين، غداة فيضانات خاطفة وسيول جارفة اجتاحت مناطق واسعة في شمال البلاد قرب الحدود مع التبت، في واحدة من أعنف الكوارث الطبيعية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

 

وارتفعت حصيلة الضحايا في نيبال إلى نحو 359 قتيلاً، وفق أحدث البيانات المتاحة الخميس، فيما لا يزال أكثر من ألف شخص في عداد المفقودين في نيبال والمناطق المتضررة على الجانب الصيني من الحدود. ولا تزال الحصيلة مرشحة للارتفاع مع وصول فرق الإنقاذ إلى مناطق عزلتها السيول والانهيارات الأرضية.

 

انهيار جليدي وراء الكارثة

 

بدأت الكارثة صباح الأربعاء 26 أغسطس، عندما اجتاحت موجة هائلة من المياه والطين والصخور والكتل الجليدية الأودية الجبلية في منطقة راسووا شمال نيبال، قبل أن تمتد آثارها إلى مناطق أخرى على امتداد الأنهار، بينها نواكوت.

 

وتشير المعطيات الأولية إلى أن الكارثة ارتبطت بانهيار هائل للصخور والجليد في المنطقة الجبلية، أدى إلى اندفاع كميات ضخمة من المياه والحطام إلى مجاري الأنهار. وكانت تقارير أولية قد ربطت الحدث بهزة أرضية، لكن المعطيات اللاحقة أشارت إلى أن الانهيار الجليدي هو العامل الأساسي وراء موجة الفيضان.

 

وأدى تدفق المياه والحطام بسرعة كبيرة إلى تدمير أو إلحاق أضرار جسيمة بالمنازل والطرق والجسور والمنشآت الحيوية، فيما عزلت الانهيارات الأرضية عدداً من التجمعات السكانية وأعاقت وصول فرق الإنقاذ.

 

وتضررت كذلك منطقة غيرونغ على الجانب الصيني من الحدود، وهي منطقة مهمة لحركة التجارة والسفر بين الصين ونيبال، كما فُقد مئات الأشخاص في الجانب التبتي، بينهم عدد من الأجانب الذين كانوا في طريقهم إلى مناطق دينية وسياحية في الهيمالايا.

 

خطر لم ينتهِ بعد

 

ولا تزال السلطات النيبالية تواجه خطراً إضافياً، إذ أدى تراكم المياه والحطام في بعض المناطق الجبلية إلى تشكيل عوائق وبحيرات مؤقتة، ما يثير مخاوف من حدوث موجات فيضان جديدة في حال انهيار هذه الحواجز الطبيعية.

 

وتعمل السلطات على إجلاء السكان من المناطق الواقعة قرب مجاري الأنهار، بالتزامن مع استخدام المروحيات للوصول إلى القرى والمناطق التي قطعت عنها الطرق والجسور.

 

وتزداد صعوبة عمليات البحث والإنقاذ بسبب التضاريس الجبلية الوعرة، والأضرار التي لحقت بشبكات الطرق والجسور، إضافة إلى الظروف الجوية التي تعرقل حركة الطائرات والمروحيات.

 

مناطق اعتادت مواجهة الفيضانات

 

لا تمثل الفيضانات ظاهرة جديدة في نيبال، إذ تتعرض البلاد سنوياً لمخاطر السيول والانهيارات الأرضية خلال موسم الأمطار الموسمية، الذي يمتد عادة من يونيو/حزيران إلى سبتمبر/أيلول.

 

لكن طبيعة الخطر تغيرت خلال السنوات الأخيرة. فإلى جانب الأمطار الموسمية الغزيرة، أصبحت الفيضانات الناتجة عن انهيار البحيرات الجليدية والانهيارات الجليدية والصخرية في جبال الهيمالايا تمثل تهديداً متزايداً للمجتمعات الواقعة أسفل الأودية.

 

وتشير بيانات إدارة مخاطر الكوارث في نيبال إلى أن البلاد شهدت تاريخياً فيضانات كبرى في عدد من الأحواض النهرية، بينها تيناو وكوشي وتادي وسونكوشي، ما يعكس تعرض المناطق الواقعة على امتداد الأنهار لخطر متكرر.

 

2017.. فيضانات واسعة النطاق

 

في أغسطس/آب 2017، شهدت نيبال واحدة من أسوأ موجات الفيضانات في تاريخها الحديث، بعدما تسببت أمطار موسمية متواصلة في غمر 35 منطقة من أصل 77 منطقة في البلاد.

 

وألحقت تلك الفيضانات أضراراً واسعة بالمساكن والبنية التحتية والزراعة، وكانت جزءاً من موجة فيضانات إقليمية واسعة ضربت كذلك الهند وبنغلاديش.

 

وأظهرت كارثة 2017 هشاشة مناطق واسعة من جنوب وشرق نيبال أمام الأمطار الغزيرة، خصوصاً المناطق المنخفضة والواقعة بالقرب من الأنهار.

 

2024.. أمطار قياسية وفيضانات مدمرة

 

وفي سبتمبر/أيلول 2024، تعرضت نيبال لموجة أخرى شديدة من الأمطار والفيضانات والانهيارات الأرضية، بعدما شهدت مناطق واسعة هطولات استثنائية.

 

وتضررت خصوصاً مناطق حول العاصمة كاتماندو وحوض نهر باغماتي، حيث تسببت الأمطار الغزيرة في فيضان الأنهار وغمر الطرق والمنازل، بينما أدت الانهيارات الأرضية إلى قطع طرق رئيسية وعزل مناطق عن العاصمة.

 

وسجلت السلطات آنذاك أكثر من 220 وفاة، إضافة إلى عشرات المفقودين وآلاف الأشخاص الذين احتاجوا إلى عمليات إنقاذ وإجلاء. كما لحقت أضرار بمئات المنازل والجسور والطرق ومنشآت الطاقة والاتصالات.

 

2025.. إنذار مبكر من الخطر القادم من التبت

 

الأكثر ارتباطاً بالكارثة الحالية هو ما حدث في يوليو/تموز 2025، عندما اجتاحت فيضانات خاطفة منطقة راسوا الحدودية نفسها تقريباً، بعد تدفق مياه من بحيرة جليدية في الجانب التبتي.

 

وتسبب الفيضان آنذاك في مقتل أشخاص وفقدان آخرين، كما جرف الجسر الرئيسي الذي يربط نيبال بالصين ودمر مركبات ومنشآت قرب المعبر الحدودي، ما أدى إلى توقف حركة التجارة عبر المنطقة.

 

وأكدت تقييمات لاحقة أن تصريف بحيرة جليدية في منطقة التبت كان وراء الفيضان، وهو ما جعل المنطقة واحدة من أبرز النقاط الساخنة لخطر الفيضانات الجليدية العابرة للحدود.

 

من الأمطار الموسمية إلى ذوبان الجليد

 

وتبرز الكارثة الحالية جانباً مختلفاً من مشكلة الفيضانات في نيبال. ففي حين ترتبط غالبية الفيضانات التقليدية بالأمطار الموسمية، يمكن للفيضانات الجليدية أن تحدث بصورة مفاجئة للغاية عندما تنهار بحيرة جليدية أو كتلة من الجليد والصخور، فتندفع المياه والحطام بسرعة هائلة نحو المناطق المنخفضة.

 

ويرى علماء أن ارتفاع درجات الحرارة في منطقة الهيمالايا يؤدي إلى تسارع ذوبان الجليد وتغير استقرار الأنهار الجليدية والبحيرات الجليدية، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات في مناطق تعبرها أنهار تمتد من الهضبة التبتية إلى نيبال.

 

وتشير الأحداث التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة إلى أن الخطر لم يعد مقتصراً على موسم الأمطار وحده، بل بات مرتبطاً أيضاً بالتغيرات المتسارعة في البيئة الجليدية للجبال.

 

كارثة تكشف هشاشة الحدود الجبلية

 

وتعيد فيضانات أغسطس 2026 فتح النقاش حول جاهزية دول الهيمالايا للتعامل مع الكوارث العابرة للحدود، خصوصاً أن الأنهار التي تنطلق من الهضبة التبتية تعبر الحدود إلى نيبال، بينما تقع مصادر الخطر في كثير من الأحيان في مناطق جبلية نائية يصعب الوصول إليها ومراقبتها.

 

ويقول خبراء إن تحسين أنظمة الإنذار المبكر، ومراقبة البحيرات الجليدية، وتبادل المعلومات بين الدول الواقعة على جانبي الحدود، قد يكون حاسماً في تقليل الخسائر مستقبلاً.

 

ومع استمرار عمليات البحث والإنقاذ، تبقى الأولوية في نيبال لإنقاذ المحاصرين والوصول إلى المفقودين، فيما تترقب السلطات أي ارتفاع جديد في مستويات المياه قد يؤدي إلى فيضانات إضافية في الأودية الواقعة أسفل المناطق الجبلية.

 

وتحولت كارثة 26 أغسطس إلى تذكير جديد بأن سكان الهيمالايا يواجهون مزيجاً متزايداً من المخاطر الطبيعية، من الأمطار الموسمية والانهيارات الأرضية إلى الانهيارات الجليدية والفيضانات المفاجئة، في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم تعرضاً للتغيرات المناخية والاضطرابات في البيئة الجليدية.

زر الذهاب إلى الأعلى