الشيخ الامين عمر الامين يكتب.. (وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا)
الخرطوم | الآن نيوز

ما يحدث اليوم ليس مجرد انحراف بسيط في السلوك… بل انهيار أخلاقي صريح يُمارَس على الملأ، ويُصفَّق له، ويُبرَّر بلا خجل.
أن يقف إنسان، يحمل هاتفه، يترصد لغيره، يصوّره مع أسرته في لحظة عادية، ثم يعود ليختلق قصة قذرة، ويقذف بها عرضه، وينشرها على أوسع نطاق… فقط ليصعد على أكتاف الكذب إلى “الترند”… فهذا ليس محتوى، ولا رأيًا، ولا حرية.
هذا سلوك منحط، وجريمة متكاملة، وقلة دين ليس إلا
الله عز وجل لم يترك هذا الباب مفتوحًا للعبث، بل أغلقه بكلمات تهز الضمير:
﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ… وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب﴾
ليس فقط “لا تفعلوا”، بل اجتنبوا… ابتعدوا… احذروا… لأن الطريق يبدأ بنظرة، وينتهي بفضيحة.
ثم يأتي النبي ﷺ ليزيد الأمر وضوحًا:
“إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث…”
أي أن أول خطوة في هذه السلسلة القذرة – وهي الظن – هي أصلاً كذب، فكيف بما بعدها من تجسس وافتراء ونشر وتشويه؟
لكن الكارثة لا تقف عند الفاعل…
الكارثة الحقيقية في الجمهور.
جمهور يرى فيديو مفبركًا، فيصدّق.
يشاهد اتهامًا بلا دليل، فينشر.
ثم حين يُكشف الكذب… يغضب!
نعم، يغضب لأن القصة لم تكن حقيقية، لأنه كان يريدها أن تكون كذلك ليشمت، ليشبع فضوله، ليحرق سمعة إنسان.
أي قلوب هذه؟!
ثم تأتي الحجة السخيفة: “هذه شخصية عامة”.
وكأن الشهرة صكّ إذلال!
وكأن المعروفية تصريح بانتهاك العرض!
الشخصية العامة لا تعني إنسانًا بلا كرامة.
لا تعني أن نقتحم حياته، ولا أن نفسّر وجوده مع أسرته بأقذر التفسيرات، ولا أن نحوّله إلى مادة للفضائح.
الشخصية العامة تُحاسَب على ما تقدمه للناس في إطارها العام، لا على حياتها الخاصة التي لم تؤذِ بها أحدًا.
أما اقتحام الخصوصيات، والتصوير دون إذن، ونشر الاتهامات بلا دليل، فهذه قِلّة أدب قبل أن تكون مخالفة شرعية وقانونية
الذي يفعل ذلك لا يمارس نقدًا…
بل يمارس تشهيرًا خسيسًا.
والذي يبرر ذلك بحجة “الفضول” أو “الاهتمام العام” فهو شريك في الجريمة، حتى لو لم يلتقط الفيديو بنفسه.
من حق أي شخصية عامة أن تعيش مع أسرتها حياة طبيعية… دون ملاحقة، دون تصوير خفي، ودون تأويل قذر لكل تصرف عادي.
الشهرة لا تعني أن يتحول الإنسان إلى “ملك مشاع” للناس.
ولا تعني أن تُسحب منه إنسانيته، أو تُلغى خصوصيته، أو يُسمح بانتهاك عرضه بحجة أنه معروف.
الشخصية العامة تبقى إنسانًا قبل كل شيء:
له أسرة، وله لحظات خاصة، وله حق في أن يخرج ويتنزه ويعيش دون أن يُراقَب كأنه متهم.
الدين حسم هذه المسألة بلا لبس:
﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾
لم يقل: “إلا على المشاهير”…
ولم يقل: “إلا إذا أردت الترند”…
بل أمر عام يشمل الجميع.
والنبي ﷺ قال:
“كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه”
فالعِرض خط أحمر، لا يُمس، لا بالتصوير، ولا بالتلميح، ولا بالإشاعة.
أما من يبررون هذا الانتهاك بعبارة “هو شخصية عامة”، فهم في الحقيقة يغطّون على سلوك خاطئ، ويشرعنون الفوضى.
لأنهم لو طبقوا نفس المنطق على أنفسهم، لما قبلوا أن يُصوَّروا مع أهلهم، ثم يُفسَّر ذلك بأسوأ الظنون ويُنشر للناس.
الحياة الخاصة ليست مسرحًا للجمهور.
ووجود شخص في مكان عام مع أسرته لا يعطيك حق تحويله إلى مادة للتشويه.
الحد الفاصل واضح
مساءلته في ما يقدّمه للناس حق .
اقتحام حياته الخاصة اعتداء.
والخلط بين الاثنين هو بداية الانحدار.
الخلاصة التي يجب أن تُفهم دون جدل:
احترام خصوصية الشخصية العامة ليس تفضّلًا…
بل واجب ديني وأخلاقي وقانوني.
ومن لا يحترم هذا الحق اليوم،
سيدفع ثمنه غدًا… عندما تُنتهك خصوصيته بنفس الطريقة
ومن أمن العقاب أساء الأدب…
لكن حين يقترب العقاب، يظهر الحجم الحقيقي لهؤلاء:
لا مبادئ، لا شجاعة، لا صدق.
لنكن واضحين بلا تلطيف:
حين يصل الأمر إلى الشرطة، ويقف المفترِي خائفًا يعترف، هنا يظهر وجه الحقيقة:
هو لم يكن شجاعًا، بل كان مستهترًا…
ولم يكن صاحب قضية، بل كان باحثًا عن شهرة رخيصة.
الأخطر من كل ذلك هو جمهور المشاهدين:
الذي يضغط “مشاركة” دون تحقق،
ويضحك دون وعي،
ويتمنى أن يكون الخبر صحيحًا فقط ليشمت.
هذا الجمهور شريك في الجريمة، لأن نشر الباطل لا يقل سوءًا عن صناعته.
الخلاصة الحادة التي لا مجاملة فيها:
التصوير بغرض التشهير خيانة للأمانة.
نشر الاتهامات بلا دليل بهتان صريح.
انتهاك الخصوصيات سقوط أخلاقي.
الشماتة في الناس مرض في القلوب.
والمجتمع الذي يسكت عن هذا، أو يبرره، أو يتفاعل معه…
هو مجتمع يفتح الباب للفوضى، حتى يأتي يوم يصبح فيه كل واحد ضحية لنفس السلوك الذي كان يصفق له
اليوم تُنتهك خصوصية غيرك، وغدًا ستُنتهك خصوصيتك.
اليوم تُشَوَّه سمعة إنسان، وغدًا ستُشَوَّه سمعتك.
لأنك حين سكتَّ، أو ضحكت، أو شاركت…
أنت لم تكن مشاهدًا، بل كنت جزءًا من القذارة.
اتقوا الله في أعراض الناس.
فالسمعة لا تُرمَّم بسهولة،
والكلمة الجارحة لا تموت،
والظلم لا يُنسى.
وليعلم كل من يسعى خلف الترند بالكذب:
قد تربح دقائق من الشهرة…
لكنك تخسر نفسك، ودينك، وكرامتك، أمام الله والناس
ولنا في المسيد بقيه

